م. عبدالملك زكريا علي دفع الله بدوي الكناني نموذجاً إجتماعيا للصراع والشرعية المتشظية .. – الحالة السودانية الراهنة في تعقدها وتشابك خيوطها تمثل مختبراً حياً لفهم التحولات العميقة التي طرأت على مفاهيم “العزة” و”الكرامة” و”السيادة” في ظل ظروف الانهيار المؤسسي والسيولة الأمنية التي اقل ما توصف بـه هو “زمن التوهان”. إن هذا التوهان ليس مجرد فقدان للمسار السياسي بل هو حالة من الغبش المعرفي والوجداني تضيع فيه الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم وبين الدولة كدولة والهدم والبناء … في قلب هذا المشهد يبرز اسم القائد “دفع الله بدوي الكناني ” كعلامة متكررة يحملها شخص لم تتباين مساراته ولم تتناقض غاياته في الميدان العسكري والفدائي والاحساس العميق بالمسؤولية . – القائد دفع الله بدوي الكناني هذا النموذج الحي في سياق الفعل الميداني الخشن يسلط الضوء على كيفية إعادة تعريف “العزة والكرامة” في زمن تسوده الأوهام حول الحسم العسكري والشرعية المستمدة من فوهة البندقية والشيطنة في تهويل مُحدِثات الميدان والذي اصلاً معرّف ولا يحتاج لتعريف وتوضيح . – جدلية العزة والتوهان في السياق السوداني المعاصر : تعد “العزة” قيمة مركزية في الوجدان السوداني وهي ترتبط تاريخياً بالفروسية والأنفة والإباء وحماية الأرض والعرض واحقاق الحق إلا أن دخول البلاد في حقبة “التوهان” – وهي الحقبة التي أعقبت تصدع الهياكل المؤسسية بعد أبريل 2023م وما قبله من اضطرابات جعل من هذه القيمة مادة للصراع والتأويل ووضع معايير جانبت مترادف المفردة (وتلتها تلاً) لمعاني بعيدة عن مدلولاتها . – مفهوم التوهان والوهم السياسي : التوهان في هذا السياق يشير إلى حالة السيولة التي وصفها علماء الاجتماع السياسي حيث تفقد المؤسسات الصلبة قدرتها على توجيه المجتمع ويصبح الفرد أو الجماعة في حالة بحث دائم عن هوية بديلة والوهم من جهة أخرى يتمثل في السرديات الكبرى التي تحاول تبرير العنف أو تصوير الانتصارات الميدانية العابرة كأنها تأسيس جديد للعزة الوطنية وفي هذا الفضاء القاتم يبرز نجم دفع الله بدوي الكناني كنموذج لعزة “الميدان” وقائد مجموعة ضمن مجموعات الدعم السريع المجموعة ٢٧٤ والتي ترى في السيطرة العسكرية وسيلة لاسترداد كرامة فئات اجتماعية معينة بل تتجاوز ذلك الي فضاء السودان الواسع في الطول والعرض واسترداد كرامته الحقيقية المتمثلة في الحرية والعدل والمساواة والسلام المستدام الذي لا تعقبه حرب بعد ترسيخ دعائم الحوكمة والمواطنة لا كرامة النفاق بين بني الوطن الواحد … دفع الله بدوي الكناني يمثل القوة الميدانية الصاعدة من (رحم) قوات الدعم السريع والتي تتحدى العسكرية التقليدية الي فهم وعمق اوسع .. فالمواطن السوداني يجد نفسه أمام نُسخ من “دفع الله” نسخة تسعى لحمايته ونسخة تعمل علي دفع البلاء عنه ونسخة تعمل علي ترسيخ دعائم الحرية والعدل والمواطنة وتأسيس الدولة بعيداً عن الأوهام والتغبيش والكذب البواح . يمثل دفع الله بدوي الكناني نموذجاً للقائد الميداني الذي يجسد “العزة” من منظور القوة الخشنة وإن فعله العسكري في جنوب كردفان (هبيلا) لا يُقرأ فقط كعملية حربية بل كفعل رمزي يهدف إلى كسر هيبة الدولة التقليدية واستبدالها بعزة “المقاتل” الذي لا يعترف بالحدود المؤسسية الواهية ولا التغبيش ولا الوهم ولا الوعود والإغراءات البعيدة عن القيم والكرامة . عملية هبيلا العسكرية تمثل اللحظة الفارقة في سجله الميداني الناصع والتي جرت في ديسمبر 2023م وهي اللحظة التي كانت البلاد تودع فيها عاماً من الرعب قاد الكناني مع قادة ميدانيين آخرين هجوماً على محلية هبيلا في جنوب كردفان هذه العملية لم تكن مجرد اشتباك عابر بل كانت استهدافاً لقلب المؤسسة العسكرية حيث تم الهجوم على قيادة اللواء 53 مشاة التابع للجيش السوداني والتي غنم منها القائد دفع الله وقادة آخرين ما يزيد عن العشرين عربة قتالية مجهزة بكامل عتادها الحربي … معركة لم تتجاوز العشرين دقيقة .. عشرين دقيقة تُجسد ذروة “التوهان” العسكري للدولة وفي المقابل يقدم بدوي نفسه وزملاءه ذروة “العزة” الميدانية لقوات الدعم السريع … هذا الانتصار الخاطف يفضح “وهم” القدرة على حسم الأمور بالقوة دون الحاجة إلى توافق سياسي أو شرعية قانونية . – مفهوم القتال في مناطق الحواضن : ينتمي دفع الله بدوي إلى قبيلة “الحوازمة”، وهي قبيلة ذات امتدادات واسعة وتاريخ مرتبط بالرعي والفروسية في مناطق كردفان وفي زمن التوهان تصبح الهوية القبلية هي الملاذ الأخير لإنتاج “العزة” القائد الكناني هنا لا يتحرك كضابط في جيش وطني مهني بل كقائد يستمد جزءاً من شرعيته من “العزة” القبلية والانتمائية العميقة لقوات الدعم والعمل مع رفاق الدرب وخاصة الذين مضوا في ساحات الحرب مقبلين غير مدبرين شهداء من “عزة الدولة” إلى “عزة القضية العادلة واكتساب الحقوق وتغيير السودان الي دولة تجسد معني الدولة (جوهر الأزمة السودانية) . – تحليل القوة الخشنة مقابل الناعمة هنا يمثل دفع بدوي الكناني القوة الخشنة التي أثبتت فعاليتها في معركة هبيلا حيث فر جنود الجيش نحو الفرقة العاشرة في أبو جبيهة مارين بفرقان وبوادي الحوازمة يقتلوا وينهبوا الماشية والانعام ترويعاً وإنتقاما … هذه القوة (قوة الجيش) تنتج عزة “لحظية” قوة مرتبطة بالانتصار العسكري فقط ولو علي اشلاء بني الوطن لكنها عزة قاصرة لأنها لا تستطيع بناء مؤسسة تعليمية أو نظام صحي او حتي تأمين الارواح وبسالة دفع الله الكناني ورفاقه في هبيلا وغيرها من المواقع والمحاور قوة بناء الوطن وتأسيس دولة الشفافية والحوكمة وامتصاص وإجهاض لغة الوعود عبر المحادثة التلفونية (الاشهر) والتي انتشرت كإنتشار النار في هشيم النرجسية الوعودية وكانت تحدي في هيبتها وزمانها وشخوصها واوضحت أن “العزة” في السودان اليوم هي قيمة بين نشنكي وزناد “بندقية” دفع الله الكناني … ومعروف ان الجيش يساهم في “توهان” الدولة ككل بالاستقطاب الاثني والقبلي وسياسة فرق تسد لمن القي السمع وهو بصير . في الخاتمة دفع الله الكناني كرمز لثنائية البلاء والرجاء: نجد أن العزة في زمن التوهان والوهم” هي معركة وعي قبل أن تكون معركة ميدان ونموذج دفع الله بدوي الكناني يمثل “البلاء” الذي أصاب الدولة السودانية في صميم مؤسستها العسكرية وتشوهاتها الاجتماعية ويمثل نموذج “الرجاء” في استعادة الدولة عبر الالتزام بالدفاع عن الحقوق وبناء دولة تحترم مواطنيها وتضمن لهم الأمن والخبز والخدمات والحرية والمساواة . 💐💐💐 م. عبدالملك زكريا علي ابريل ٢٠٢٦م شارك تصفّح المقالات محمد عبدالمنعم الريح السليمي المحامي يكتب سنة رابعة حرب سنة رابعة حرب