تقرير: سحر علي في الخامس عشر من أبريل 2026، لا تزال أصوات الانفجارات تهز أجزاءً من كردفان ودارفور والنيل الأزرق، لكنها لم تعد ذات الزخم الذي كانت عليه في صباح ذلك اليوم المشؤوم قبل ثلاث سنوات. ما بدأ كصراع على الكرسي بين جنرالين تحول إلى واحدة من أكثر الحروب الأهلية تعقيداً وتدميراً في القرن الحادي والعشرين. السودان اليوم ليس هو السودان الذي كان؛ فهو بلد منقسم فعلياً، يعيش نصفه تحت حكم عسكري تقليدي في بورتسودان، والنصف الآخر تحت إدارة “قوات الدعم السريع” التي أسست حكومة موازية في دارفور، بينما يدفع المدنيون الثمن الأغلى في أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم. حرب استنزاف بلا حسم بعد ثلاث سنوات، لم يتمكن أي من طرفي النزاع من تحقيق نصر عسكري حاسم. شهد العام الثالث تحولاً مهماً؛ فبعد أن استعاد الجيش السوداني السيطرة على معظم أجزاء ولاية الخرطوم وولاية الجزيرة ممثلة في مدينة ود مدني في عام 2025، شنت قوات الدعم السريع هجوماً مضاداً عنيفاً مستخدمة أسلحة نوعية وتكتيكات حرب المدن، مما أدى إلى إعادة رسم الخريطة الميدانية. فاليوم، تسيطر قوات الدعم السريع بالكامل على إقليم دارفور (خمس ولايات) ومعظم ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، بينما يتمسك الجيش بمعاقله في الشمال والشرق، بما في ذلك العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان. لكن اللافت هو تحول جبهات القتال إلى “حرب عصابات” في المدن الكبرى، مصحوبة بحرب طائرات مسيرة (بدون طيار) تسببت وحدها في مقتل أكثر من 2500 مدني خلال الأشهر الستة الماضية؛ وذلك وفقاً لتقارير أممية. مأساة إنسانية أصدرت الأمم المتحدة حزمة أرقام تصف ما يجري من وضع إنساني في السودان بأنه “انهيار تام للإنسانية”؛ إذ سقط أكثر من 150 ألف قتيل (بينهم ما لا يقل عن 30 ألف مدني بشكل موثق) وأكثر من 33 ألف مفقود، معظمهم من الأطفال والنساء. ووصل عدد النازحين داخلياً إلى 11 مليون شخص، بينما لجأ أكثر من 4 ملايين إلى دول الجوار (تشاد، جنوب السودان، مصر، إثيوبيا، إريتريا)، ليصبح إجمالي من فروا من ديارهم 15 مليوناً، أي ما يعادل ثلث السكان. وأعلنت الأمم المتحدة رسمياً في فبراير الماضي وقوع مجاعة في خمس مناطق بدارفور وكردفان، حيث يعاني 28 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 7 ملايين على شفا المجاعة. وقال برنامج الأغذية العالمي إنه “لم يعد لديه ما يكفي من المال لإطعام حتى نصف الجائعين”. انهيار الخدمات الصحية إذ دمرت الحرب في السودان ما يزيد على 80% من المستشفيات في مناطق النزاع، وتفشت أوبئة الكوليرا وحمى الضنك والملاريا بشكل غير مسبوق، مما أودى بحياة آلاف الأطفال انقسام سياسي ودولي لم تعد الحرب مجرد شأن داخلي، فقد تحولت إلى ساحة لصراع إقليمي مكشوف؛ فبينما تتهم الحكومة السودانية الإمارات بدعم الدعم السريع بالأسلحة والطائرات المسيّرة (وهو ما نفته أبوظبي)، تتهم ميليشيات الدعم السريع مصر وتركيا بدعم الجيش السوداني. هذا التداخل الإقليمي جعل أي جهد دولي لوقف إطلاق النار مصيره الفشل. وفي أبريل 2026، انعقد مؤتمران متزامنان: أحدهما في جدة برعاية سعودية أمريكية يحاول إحياء مفاوضات متعثرة، والآخر في أديس أبابا برعاية الاتحاد الأفريقي والإيقاد، لكن كلا المؤتمرين قوبل بمقاطعة من طرف أو آخر وسط اتهامات متبادلة بعدم الجدية. وفي مشهد دراماتيكي، أعلنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها من الحركات المسلحة في دارفور في مارس 2026، تشكيل “حكومة سلام ووحدة” موازية في مدينة الفاشر، مما يعني عملياً أن السودان أصبح دولة منقسمة بلا وثيقة تأسيسية وطنية واحدة. صوت من جحيم الحرب: عام رابع في انتظار المجهول بينما ينتهي العام الثالث بلا أفق سياسي، حذر مراقبون من أن العام الرابع سيكون أكثر دموية، مع دخول أسلحة أكثر تطوراً إلى خط المواجهة وتوسع دائرة التجنيد الإجباري من قبل الطرفين. وأطلقت الأمم المتحدة نداءً عاجلاً بـ 6 مليارات دولار لتجنب كارثة شاملة، لكن حتى الآن لم يتجاوز التمويل 8%. يقول المبعوث الأممي الخاص للسودان: “ما يحدث في السودان ليس حرباً أهلية بالمعنى التقليدي، إنه انهيار دولة كاملة. إذا لم يتحرك العالم الآن، فستكتب صفحة السودان بالدماء لجيل كامل قادم”. شارك تصفّح المقالات بين دولة الترابي، وجمهورية الخميني؟! الى من يهمه الامر