خالد كودي، بوسطن ليست كل القرارات السياسية متساوية في أثرها التاريخي. فبعضها يمرّ كخبر عابر في دورة الأخبار، وبعضها الآخر يشكّل نقطة انعطاف تُقرأ لاحقًا بوصفها لحظة تأسيسية غيّرت مسار دولة ومصير شعب. ومن هذا النوع الأخير يجيء قرار تشكيل مجلس الأقاليم ضمن ترتيبات حكومة “تأسيس” لسنة 2026، بوصفه خطوة تتجاوز معنى الإجراء الإداري إلى معنى إعادة تعريف الدولة السودانية نفسها. لقد صدر القرار رقم (5) لسنة 2026 بتكوين مجلس الأقاليم كغرفة ثانية للهيئة التشريعية الانتقالية، مكوّن من أربعة وعشرين عضوًا، بواقع ثلاثة ممثلين لكل إقليم من الأقاليم الثمانية، وبرئاسة أرنو نقوتللو لودي أبير، ونيابة مكين حامد تيراب، مع منح المجلس استقلالية كاملة في أداء مهامه، وفي مقدمتها تمثيل الأقاليم في صناعة القرار، ترسيخ الحكم اللامركزي، حماية الحقوق الإقليمية، ومراقبة أجهزة السلطة التنفيذية. قد يبدو هذا للبعض شأنًا تنظيميًا، لكنه في جوهره إعلانٌ بأن السودان القديم الذي احتكر فيه المركز السياسة والثروة والمعنى، لم يعد قادرًا على الاستمرار، وأن السودان الجديد بدأ تفعيل أدواته المؤسسية الخاصة بعد بحث طويل ومضني. أولًا: الثورة يقودها الثوار، أما الإصلاح فيقوده الإصلاحيون! هذه قاعدة تؤكدها التجارب الكبرى في التاريخ. فالإصلاحي، مهما حسنت نواياه، يعمل غالبًا داخل حدود النظام القائم، ويسعى إلى تقليل أضراره، أو تحسين كفاءته، أو تهذيب عنفه. أما الثوري فيسأل سؤالًا مختلفًا: لماذا قام هذا النظام أصلًا على هذا النحو؟ ولمصلحة من؟ ومن دفع ثمن بقائه؟ الإصلاح يعالج الأعراض. الثورة تعالج البنية. وفي السودان، عاشت البلاد منذ الاستقلال تحت حكم نوعين من النخب: ١/ نخب انتهازية استخدمت الدولة للغنيمة والتمكين والفساد ٢/ نخب إصلاحية محدودة الخيال أرادت تحسين الإدارة دون المساس بجذر الأزمة أما القوى الثورية التي نادت بإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة – المواطنة، العلمانية، العدالة التاريخية، اللامركزية، وإخضاع الجيش للسلطة المدنية – فقد جرى شيطنتها أو محاصرتها أو اتهامها بالخيانة. ولذلك ظل السودان يدور في الحلقة ذاتها: انقلاب عسكري → انتفاضة شعبية → تسوية فوقية → خيبة جماهيرية → حرب جديدة. أما اليوم، فإن تكوين مجلس الأقاليم بقيادة شخصيات خرجت من ميادين الهامش والمقاومة والإدارة الشعبية، لا من صالونات العاصمة، يعني أن الثورة بدأت تنتج مؤسساتها بنفسها، لا أن تنتظر اعتراف خصومها. ثانيًا: كيف حكمت النخب السودان منذ الاستقلال؟ منذ 1956، لم تكن أزمة السودان مجرد سوء إدارة، بل أزمة بنية سياسية صُممت لحماية امتيازات فئة ضيقة. فقد ورثت النخب المركزية مؤسسات الاستعمار، ثم أعادت توظيفها لصالحها، بدل تحويلها إلى أدوات عدالة وطنية. فالتشريع، في كثير من المراحل، لم يكن وسيلة لتنظيم الحقوق، بل أداة لتثبيت الامتيازات. والرقابة لم تكن على السلطة، بل على المجتمع. والإدارة لم تكن لخدمة المواطن، بل لإدامة المركز. ولهذا رأينا عبر العقود. – تركيز التنمية في مناطق محددة – تهميش الريف والأقاليم – احتكار الخدمة المدنية والعسكرية – استخدام القانون ضد المعارضين – الاستيلاء على الأراضي والموارد – إدارة التنوع بالقهر لا بالشراكة وفي عهد الإنقاذ (1989–2019)، بلغ هذا المسار ذروته؛ إذ تحوّل ما سُمّي بـ”المجلس الوطني” إلى جهاز يمنح الشرعية الشكلية للاستبداد، ويشرعن الحرب، ويغطي الفساد، ويمنح الحصانات، بينما كانت دارفور تحترق، والجنوب ينفصل، والشرق مهمش، وجبال النوبة والنيل الأزرق تحت النار. لم يكن “البرلمان” – “المجلس الوطني” آنذاك ممثلًا للشعب، بل ممثلًا للنظام. ثالثًا: لماذا فشلت مرحلة ما بعد ثورة ديسمبر 2018؟ حين أسقط السودانيون نظام البشير في أبريل 2019، فُتح باب تاريخي نادر. كانت البلاد تملك فرصة لإعادة تأسيس الدولة، لا مجرد تغيير الوجوه. لكن القوى التي استحوذت على المرحلة الانتقالية تعاملت مع الثورة باعتبارها فرصة تفاوض، لا لحظة تأسيس واملاء ارادة. ومن أكبر أخطاء تلك المرحلة عدم تكوين مجلس تشريعي انتقالي. ظل السودان سنوات بلا برلمان منتخب أو ثوري أو تمثيلي، بينما تركزت السلطات بين: – مجلس سيادي مرتبك – مجلس وزراء محدود الصلاحيات – مراكز قوة عسكرية وأمنية – تفاهمات سياسية غير شفافة وكان غياب المجلس التشريعي يعني: ١/ غياب الرقابة لم توجد جهة شعبية تراجع القرارات الكبرى أو تحاسب التنفيذيين. ٢/ غياب التشريع الديمقراطي استمرت البلاد بإعلانات ووثائق وتسويات أكثر من قوانين مستقرة. ٣/ غياب تمثيل الأقاليم ظلت قضايا الهامش تُناقش في المركز، لا بواسطة ممثليها. ٤/ بقاء الجيش فوق السياسة لم تُنجز إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، ولا إخضاعها الكامل للمدنيين ٥/ فتح الباب للتسويات الفوقية أصبحت السياسة حوار نخب غير ثورية ولاخبرة لها، لا عملية شعبية. وهكذا، تحولت الثورة من طاقة تغيير جذري إلى إدارة أزمة انتقالية. رابعًا: اتفاقية جوبا ومأزق تقاسم السلطة حين وُقعت اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر 2020، كان السلام مطلبًا مشروعًا. لكن المشكلة أن الاتفاق جاء داخل بنية انتقالية مأزومة، ومن دون إعادة تعريف شاملة للدولة. فغاب عن الاتفاق، أو لم يُحسم فيه بوضوح: – العلمانية كشرط للمواطنة المتساوية – اللامركزية الحقيقية كضمان للحقوق – العدالة التاريخية للمناطق المتضررة – إصلاح الجيش والأجهزة الأمنية – تفكيك الاقتصاد الريعي فأصبح السلام أقرب إلى توزيع مناصب منه إلى إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد، وتحقيق سلام. ثم تتابعت الأزمات حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم الانهيار الكامل إلى حرب أبريل 2023 وهكذا أثبتت الوقائع أن التسويات التي تتجاوز الجذور لا تمنع الانفجار، بل تؤجله. خامسًا: لماذا تُعدّ المجالس التشريعية ضرورةً في بناء الدول؟ تؤكد التجربة التاريخية أن الدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تستقر بالإدارة البيروقراطية فقط، بل تحتاج إلى مؤسسات تجعل السلطة خاضعة للمساءلة وتحولها من امتياز خاص إلى وظيفة عامة. وفي مقدمة هذه المؤسسات تأتي المجالس التشريعية، لأنها تنقل المجتمع من حكم الأشخاص إلى حكم القواعد، ومن إرادة الفرد إلى الإرادة العامة المنظمة. منذ أثينا القديمة ظهرت الجمعية الشعبية بوصفها ساحة للنقاش العلني حول القوانين والحرب والضرائب، وفي روما الجمهورية تطورت الفكرة عبر مجلس الشيوخ وتوزيع السلطات ومحاسبة المسؤولين. ثم جاءت البرلمانات الأوروبية المبكرة والميثاق الأعظم سنة 1215 لتؤكد أن السلطة والضرائب لا تكونان مشروعتيْن دون موافقة ممثلين عن المجتمع. وفي الفكر الحديث، رأى جون لوك أن السلطة التشريعية جوهر العقد الاجتماعي، وأكد مونتسكيو أن الحرية تقوم على الفصل بين السلطات، بينما شدد روسو على أن السيادة للشعب لا للحاكم. أما هانا آرندت فاعتبرت المجلس التشريعي فضاءً عامًا تظهر فيه التعددية السياسية، ورأى غرامشي أنه ميدان للصراع حول الشرعية والهيمنة. كما تثبت تجارب ما بعد النزاعات، مثل جنوب أفريقيا ورواندا ونيبال والبوسنة، أن المجالس التمثيلية كانت أداة أساسية للانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة. وتتمثل وظائفها الأساسية في: ١/ سن القوانين التي تنظم الحياة العامة على أساس العدالة والمساواة ٢/ مراقبة السلطة التنفيذية ومنع تحولها إلى جهاز فوق المجتمع ٣/ تمثيل التنوع الاجتماعي والإقليمي داخل الدولة ٤/ إدارة الصراع سلميًا عبر النقاش والتفاوض بدل العنف ٥/ إضفاء الشرعية على القرارات الكبرى كالميزانيات والاتفاقيات والتحولات الدستورية ٦/ حماية الحقوق والحريات من نزعات الاستبداد والتغول التنفيذي وفي البلدان المتعددة إثنيًا وثقافيًا وجهويًا – كما هو حال السودان – تزداد الحاجة إلى المجالس التشريعية ذات الطابع التمثيلي أو اللامركزي، لأنها تمنح الأقاليم صوتًا داخل الدولة، وتمنع احتكار المركز للقرار والثروة، وتحوّل التنوع من مصدر نزاع إلى مصدر توازن. لهذا، فإن غياب المجلس التشريعي في دولة مأزومة ليس فراغًا إداريًا فحسب، بل فراغ في الشرعية، وفراغ في الرقابة، وفراغ في العقد الوطني نفسه. أما وجوده الحقيقي، فهو أحد أهم شروط الانتقال من دولة الغلبة إلى دولة المواطنة، والتاريخ سيسجل لتاسيس هذا الوعي وهذا السبق. سادسًا: مجلس الأقاليم السوداني كفكرة تاريخية يمثل مجلس الأقاليم السوداني تحولًا تاريخيًا عميقًا في بنية الدولة، لأنه ينقل السودان من نموذج المركز الذي كان يتحدث باسم الجميع، إلى نموذج تشاركي تتحدث فيه الأقاليم باسم نفسها داخل مؤسسة دستورية واحدة. فهذا المجلس لا يعني مجرد توزيع مقاعد جغرافية، بل يعني الاعتراف بأن السودان ليس عاصمة تحتكر القرار، ولا نخبة تحدد مصير البلاد منفردة، بل وطن متعدد الشعوب والثقافات والأقاليم والمصالح المشروعة. وفي ضوء فكرة السودان الجديد ومرتكزات ميثاق تحالف تأسيس، فإن هذا التكوين يجسد مبدأ أن وحدة السودان لا تُبنى بالهيمنة، بل بالشراكة العادلة، ولا تُحفظ بالمركزية القسرية، بل بالمواطنة المتساوية واللامركزية الحقيقية. ولذلك فإن تمثيل: ١/ دارفور ٢/ جنوب كردفان ٣/ كردفان ٤/ النيل الأزرق ٥/ الأوسط ٦/ الشرق ٧/ الخرطوم ٨/ الشمال داخل مجلس واحد، يعني إعادة تعريف الخريطة الوطنية سياسيًا وأخلاقيًا، بحيث تصبح كل الأقاليم شريكة في التشريع والرقابة وصناعة القرار. إنه انتقال من دولة الوصاية التي احتكرت السلطة والثروة والهوية، إلى دولة الشراكة التي تعترف بأن الأقاليم ليست هوامش تابعة، بل أعمدة تأسيسية للوطن. ومن هنا، فإن مجلس الأقاليم ليس مجرد مؤسسة جديدة، بل أحد أوضح التعبيرات العملية عن ميلاد السودان الجديد. سابعًا: مجلس التحرير القومي والخبرة المتراكمة ليس هذا المجلس وليد فراغ. فهو يستند أيضًا إلى خبرات سياسية وتنظيمية تراكمت في مؤسسات مثل مجلس التحرير القومي في المناطق المحررة، حيث تطورت أشكال من الإدارة الشعبية والتشاور والرقابة في ظروف الحرب والحصار. وهذه خبرة لا تقل قيمة عن خبرات البيروقراطيات الرسمية، بل قد تتفوق عليها لأنها تشكلت تحت ضغط الواقع لا تحت حماية الامتياز. نواصل في الجزء الثاني: النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات) شارك تصفّح المقالات مابين لوس أنجلوس وكاليفورنيا القانون لا يصمت