عبدالملك زكريا…يكتب

مع حلول الذكرى الثالثة لاندلاع الصراع المسلح في السودان في الخامس عشر من أبريل 2026م) استضافت العاصمة الألمانية برلين النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي حول السودان في خطوة دبلوماسية أثارت موجة عاتية من الجدل السياسي والقانوني إن هذا المؤتمر الذي نُظم برعاية مشتركة من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي جاء ليشكل منعطفاً جوهرياً في كيفية تعاطي المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية المتطاولة والمعقدة لا سيما مع تبني إستراتيجية “التغييب المتعمد” لطرفي الحرب الرئيسيين: القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع .. يطرح هذا التوجه تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان هذا الاستبعاد يمثل رؤية إستراتيجية ناضجة تهدف إلى “نزع الشرعية عن البندقية” وإعادة الاعتبار للمسار المدني أم أنه يعكس غياباً للرؤية الواقعية ويتجاهل موازين القوى الميدانية ويغامر بتفتيت سيادة الدولة السودانية .. حيث تستند فلسفة مؤتمر برلين 2026م إلى تراكمات دبلوماسية بدأت في باريس عام 2024م ولندن عام 2025م .. حيث تبلورت قناعة دولية بأن المسارات التقليدية التي تركز على القادة العسكريين (مثل منصة جدة) قد استنفدت أغراضها دون تحقيق خرق حقيقي في جدار الأزمة … إن التحول نحو المسار المدني الصرف مع التركيز على حشد الدعم الإنساني وتنسيق المواقف الدولية يعكس محاولة “إعادة هندسة” المشهد السياسي السوداني من الخارج وهو ما دفع بحكومة بورتسودان لوصف المؤتمر بأنه “نهج وصاية استعماري” يتجاوز السيادة الوطنية الغائبة اصلاً والمؤتمر يؤكد ذلك .

#- تشريح الهيكل التنظيمي لمؤتمر برلين: المسارات والأوزان النسبية

تميز مؤتمر برلين 2026م بتصميمه الهيكلي المعقد الذي استهدف الجمع بين ثلاثة أبعاد متداخلة في يوم واحد لضمان شمولية الطرح السياسي والإنساني والمدني هذا التصميم يعكس إدراكاً دولياً بأن الأزمة السودانية لم تعد مجرد نزاع حدودي أو صراع على السلطة بل هي انهيار شامل للدولة يتطلب استجابة متعددة المستويات والمسارات من حيث المسار والأطراف المشاركة والأهداف الإستراتيجية والمخرجات المتوقعة :

١/ المسار الوزاري السياسي : وزراء خارجية 55 دولة والآليات الدولية (الخماسية والرباعية) لتنسيق الضغط الدولي على أطراف النزاع ووقف تدفق السلاح وتوحيد الموقف الدولي تجاه العقوبات وحظر الأسلحة .

٢/ المسار الإنساني : وكالات الأمم المتحدة (OCHA, WFP, WHO) والمنظمات الدولية و38 منظمة غير حكومية لحشد التمويل وتأمين ممرات الإغاثة وتجاوز العقبات البيروقراطية وتعهدات مالية بقيمة 1.5 مليار دولار وذلك للإلتزام بالوصول غير المشروط .

٣/ المسار المدني السوداني : مشاركة 46 شخصية سياسية ومدنية ؟! وائتلافات (مثل صمود) !؟ وإطلاق حوار “سوداني-سوداني” وتشكيل جبهة مدنية عريضة وبناء خارطة طريق لانتقال مدني مستقبلي بعيداً عن العسكريين .

يظهر من هذا التوزيع أن المؤتمر سعى لخلق “توازن قوى” بديل حيث يتم منح القوى المدنية وزناً دبلوماسياً يوازي أو ربما يتفوق في الشرعية الدولية على القوى المسلحة .. وإن حضور (غرف الطوارئ السودانية) وتقديم شهادات حية حول الصمود في مواجهة المجاعة والانتهاكات أعطى للمؤتمر صبغة “شعبية” حاولت القوى المنظمة استثمارها لتبرير استبعاد العسكريين .

#- الجغرافيا السياسية للمشاركين وتأثيرها على القرار

لم يقتصر الحضور على القوى الغربية التقليدية بل ضم أطرافاً إقليمية مؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان إن إشراك هذه الدول رغم التباينات الحادة في مواقفها تجاه طرفي النزاع يعكس رغبة “الآلية الخماسية” (الأمم المتحدة ، الاتحاد الأفريقي ، الاتحاد الأوروبي، الإيغاد ، جامعة الدول العربية) في ضبط الإيقاع الإقليمي ومنع الانزلاق نحو حرب بالوكالة أكثر شمولاً .

#- فلسفة الاستبعاد : هل هو تعمد إستراتيجي لإنهاء “عصر الجنرالات”؟

إن استبعاد القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع من مؤتمر برلين لم يكن نتيجة تعقيدات بروتوكولية بل كان تجسيداً لرؤية سياسية ترى في هؤلاء الفاعلين “عائقاً” أمام أي حل مستدام وليس “شركاء” فيه .. هذا التعمد الإستراتيجي ينبع من عدة منطلقات تحليلية أعمق :

أولاً : يسعى المجتمع الدولي إلى كسر “فخ الموت والدمار” الذي فرضه الصراع العسكري حيث يرى المحللون أن أي مفاوضات تركز حصرياً على العسكريين ستنتهي إما بتقاسم سلطة هش أو بتجميد للنزاع يؤدي لتفتيت السودان لذا فإن تغييبهم يهدف إلى سحب “البساط الدبلوماسي” من تحت أقدامهم وإشعارهم بأن العالم بدأ يبحث عن بدائل تتجاوز منطق القوة .

ثانياً : يهدف المؤتمر إلى إعادة إنتاج “الشريك المدني المقبول دولياً” فمن خلال دعوة أطياف من ثورة ديسمبر وشخصيات مستقلة وائتلافات مثل “صمود” يحاول المنظمون خلق “جسم سياسي” يمكن التعامل معه في ملفات هندسة البناء المؤسسي الوطني وإعادة الإعمار والشرعية الدولية وهو ما يفسر غضب حكومة بورتسودان التي ترى في ذلك محاولة لخلق “حكومة موازية” أو “منصة شرعية بديلة” .

ثالثاً : هناك رغبة دولية في فصل المسار الإنساني عن الابتزاز العسكري ولقد أكد المشاركون في برلين أن “الوصول الإنساني المستدام لا يمكن أن يظل رهينة لهدنة إنسانية أو اتفاق وقف إطلاق نار” وهذا الموقف يمثل تحدياً مباشراً لطرفي الحرب اللذين استخدما التصاريح البيروقراطية والممرات الآمنة كأدوات في الصراع العسكري .

#- تداعيات التغييب على شرعية التمثيل والسيادة

على المقلب الآخر يرى منتقدو هذا النهج أن “التعمد” في الاستبعاد يعكس “غياب رؤية” واقعية لكيفية إنهاء الحرب فالحقيقة الميدانية تشير إلى أن الجيوش هي من تسيطر على الأرض والموانئ والمطارات والمعابر وتغييبها عن مؤتمر يناقش مستقبل البلاد ومساعداتها الإنسانية قد يؤدي إلى نتائج عكسية . حجة مؤيدة للاستبعاد (التعمد الإستراتيجي) وحجة معارضة للاستبعاد (غياب الرؤية) إن هذا الانقسام في التفسير يضع مؤتمر برلين في منطقة رمادية فهو من جهة يمثل “قفزة أخلاقية وسياسية” نحو المستقبل المدني ولكنه من جهة أخرى يمثل “مقامرة ديبلوماسية” قد تزيد من تصلب المواقف العسكرية وتدفع الأطراف المتحاربة لمزيد من التصعيد لإثبات وجودها على الأرض .

#- رد حكومة بورتسودان : صراع السيادة والوصاية الدولية

لم تكتفِ حكومة الامر الواقع برفض المؤتمر بل شنت حملة دبلوماسية واسعة لتجريده من مشروعيته فقد اعتبرت وزارة خارجيتها أن عقد المؤتمر دون تنسيق معها يمثل “نهجاً استعمارياً” يهدف لفرض “وصاية دولية” على السودان هذا الموقف لم يكن مجرد رد فعل بروتوكولي بل نابع من هواجس وجودية تتعلق بطبيعة الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب وتتمثل الاعتراضات الجوهرية لبوتسودان في أن المؤتمر يتعامل مع “السيادة الوطنية” كمعطى قابل للتفاوض أو التجاوز فقد أكدت في مذكرتها الاحتجاجية أن استبعادها هو “اعتداء على القواعد الدبلوماسية” وانتهاك لمواثيق الأمم المتحدة التي تفترض التعامل مع الحكومات الشرعية كطرف أصيل في أي نقاش يخص شؤون بلادها علاوة على ذلك ترى سلطة الامر الواقع أن دعوة قوى مدنية محددة (مثل تقدم أو صمود) ومقاطعة قوى أخرى قريبة من المؤسسة العسكرية يعكس “انعدام توازن” في معايير المشاركة هذا الانتقاء للأطراف المدنية يوصف بأنه محاولة لـ”تصنيع بديل سياسي” يخدم الأجندات الغربية خاصة في قضايا مثل أمن البحر الأحمر والموارد الطبيعية !!!؟؟؟ .

#- احتجاجات الخارج وتشرذم الموقف الشعبي

بالتزامن مع جلسات المؤتمر : احتشد عشرات المتظاهرين السودانيين أمام مقر وزارة الخارجية الألمانية في برلين في مشهد يعكس الانقسام العميق في الشارع السوداني والشتات حيث نظمت هذه الاحتجاجات كيانات متعددة مثل “رابطة السودانيين بالخارج” و”تنسيقية السودانيين في أوروبا”

إن هذا الحراك الاحتجاجي يبرز مفارقة مؤلمة فبينما يجتمع المجتمع الدولي لمناقشة مأساة السودان يظل السودانيون منقسمين حول “من يمثلهم” وكيف يجب أن ينتهي الكابوس .. هذا التشرذم هو ما يمنح القوى الخارجية القدرة على ممارسة “الهندسة السياسية” حيث تجد في غياب الإجماع الوطني مبرراً لفرض رؤاها الخاصة تحت لافتة “المسؤولية الدولية” .

#- الكارثة الإنسانية في برلين: أرقام تفوق القدرة على الاحتمال وبعيداً عن السجال السياسي حول “التعمد” و”الرؤية” ، كان البعد الإنساني هو المحرك المعلن والأساسي للمؤتمر حيث قدمت وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية في برلين لوحة قاتمة لأوضاع السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب واصفة إياها بأنها “أشد الأزمات الإنسانية في عصرنا” والإحصائيات المعلنة تشير الي ان إجمالي المحتاجين للمساعدة حوالي33.7 مليون نسمة مع التأكيد علي الانهيار الكلي لشبكات الأمان الاجتماعي واحتياج أكثر من ثلثي السكان للدعم الخارجي وهناك 13 مليون نازح ولاجئ (7 ملايين داخلياً 4 ملايين خارجياً) مما جعل السودان يرسخ مكانته كصاحب أكبر أزمة نزوح في العالم مما يهدد استقرار الإقليم ككل و 30 مليون شخص يعانون الجوع (تأكيد المجاعة في مناطق متعددة) وخطر الموت جوعاً أصبح يهدد أعداداً تفوق ضحايا الرصاص المباشر و12 مليون شخص (بمن فيهم الاطفال) معرضون للخطر وتدمير النسيج الاجتماعي فضلا عن الهجمات على الكوادر الطبية والإغاثية مثلا مقتل 130 عاملاً إنسانياً واستهداف مستشفيات شرق دارفور وبعض المراكز الصحية بغرب كردفان وجنوب كردفان وتحول المستشفيات والاسواق وتجمعات المواطنين في اتراحهم وافراحهم إلى أهداف عسكرية مباشرة من قبل الجيش السوداني … لقد كان هدف حشد 1.5 مليار دولار طموحاً لكنه يظل متواضعاً أمام حجم الاحتياجات التي قدرتها الوكالات الدولية بـ 1.2 مليار دولار في باريس 2024م لقطاعات محدودة فقط … إن الفجوة بين “التعهدات” و”التنفيذ” تظل العائق الأكبر حيث غالباً ما تتأخر هذه الأموال أو تصطدم بعوائق الوصول الميداني التي يفرضها احد الاطراف المستبعد من المؤتمر (سلطة الامر الواقع) .

#- برز في مؤتمر برلين دور “غرف الطوارئ السودانية” كفاعل أساسي في المسار الإنساني هؤلاء المتطوعون المحليون الذين يعملون في ظروف بالغة الخطورة قدموا شهادات حول “الصمود المذهل” في مناطق النزاع وإن المجتمع الدولي يسعى من خلال مؤتمر برلين إلى تحويل هؤلاء الفاعلين المحليين إلى القنوات الرئيسية لتوزيع المساعدات في محاولة لتجاوز “البيروقراطية العسكرية” والفساد المرتبط بقنوات الدولة المركزية في بورتسودان والسيولة الامنية في مناطق سيطرت الدعم السريع … ومع ذلك حذرت بعض الغرف من أن “تسييس” ملف المساعدات قد يعرض المتطوعين على الأرض لمزيد من المخاطر الأمنية من قبل بعض الأطراف العسكرية التي ترى في هذه الجهود تجاوزاً لسلطتها .

#- المسار السياسي المدني: هندسة الانتقال أم قفزة في المجهول؟

يمثل المسار المدني في مؤتمر برلين الجانب الأكثر طموحاً وإثارة للجدل في آن واحد فقد دعا المؤتمر 46 شخصية سودانية مدنية لبحث “إطلاق عملية سياسية بقيادة مدنية” وترتكز هذه المقاربة على فكرة “كسر ثنائية العسكر” من خلال بناء سلطة مدنية انتقالية تكنوقراطية تكون هي “مركز الثقل” الدبلوماسي وقُدم مقترح المرحلة الانتقالية ذات الطورين كأبرز الرؤى التي طُرحت في كواليس المؤتمر .. وما قدمه الخبراء حول ضرورة الانتقال إلى “إطار انتقالي من مرحلتين” :

1. المرحلة الأولى (حكومة تسيير أعمال) تُشكيل إدارة مدنية تكنوقراطية محدودة الوقت تركز حصرياً على توزيع المساعدات الإنسانية واستعادة وظائف الدولة الأساسية (مثل البنك المركزي والخدمة المدنية) والتمهيد لعقد مؤتمر وطني شامل ويُشترط في أعضاء هذه الإدارة عدم الترشح في الانتخابات اللاحقة لتجنب “فخ التكالب على السلطة” .

2. المرحلة الثانية (المؤتمر الوطني الشامل): اتفاق القوى السياسية والاجتماعية على خارطة طريق انتقالية وإصلاحات دستورية والوصول إلى انتخابات عامة … تعتمد هذه الرؤية على فرضية أن وجود “إدارة مدنية معترف بها دولياً” سيوفر بديلاً للأطراف المسلحة ويجبرها على الانخراط في وقف إطلاق النار كوسيلة للحفاظ على مصالحها في الترتيبات المستقبلية ولكن تبقى المعضلة في كيفية فرض هذه الإدارة على أرض الواقع في ظل غياب “قوة إنفاذ” قادرة على حماية المدنيين من بطش البنادق !!!؟؟؟ مؤتمر برلين هذا رغم “تعمده الإستراتيجي” لخلق بديل قد يساهم في تعميق “الانقسام السوداني-السوداني” إذا لم ينجح في استيعاب طيف أوسع من الفاعلين السياسين الغيورين علي جمع لحمة الوطن المجروح .. حيث يواجه المؤتمر معضلة اخلاقية وسياسية تتمثل في مشاركة دول ضمن الرباعية ومنبر جدة متهمة بدعم أطراف النزاع وتشرف على المسار السياسي في نفس الوقت مم يضع “مصداقية” الضغط الدولي في موضع تساؤل !!؟؟ ويرى بعض الباحثين والمراقبين أن استمرار التعامل مع هذه الدول كـ”وسطاء شرعيين” بدلاً من “أطراف محفزة للنزاع” يعكس “غياب رؤية” حازمة لدى العواصم الغربية (برلين، باريس، واشنطن ، لندن) فمن جهة هناك رغبة في استمالة هذه القوى الإقليمية لتمويل الإغاثة والضغط على حلفائها المحليين ومن جهة أخرى هناك عجز عن فرض “عقوبات ذكية” تمنع وصول التكنولوجيا العسكرية المتقدمة إلى ساحات القتال السودانية … حيث دعا المشاركون في برلين إلى إنفاذ حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على دارفور وتوسيعه ليشمل “كامل الأراضي السودانية” هذا الطلب يواجه تعقيدات في مجلس الأمن الدولي حيث تلعب التوازنات بين القوى الكبرى (روسيا ، الصين ، الغرب) دوراً في إجهاض أو تمرير هذه القرارات .. إن “التعمد” في مؤتمر برلين كان يهدف لتشكيل “تحالف دولي لمنع الفظائع” يضم دولاً مثل إيرلندا وألمانيا وهولندا والنرويج وبريطانيا للعمل خارج أطر مجلس الأمن المشلولة أحياناً .

#- التحليل النقدي : تعمد إستراتيجي أم هروب من الواقع ؟ عند تقييم مخرجات مؤتمر برلين 2026م نجد أننا أمام مقاربتين متنافستين لتفسير “غياب طرفي الحرب”:

١- المقاربة الأولى: “التعمد كضرورة لإعادة التأسيس”

تعتبر هذه المقاربة أن الاستمرار في “تدليل الجنرالات” بجلوسهم على طاولات المفاوضات الرفيعة قد أثبت فشله الذريع لذا فإن تغييبهم هو “صدمة دبلوماسية” ضرورية لإعادة تعريف السودان كـ”دولة مدنية” وليس كـ”ثكنة عسكرية” وإجبار العسكريين على الشعور بالعزلة الدولية مما قد يدفعهم لتقديم تنازلات حقيقية في مسارات أخرى خاصة طرف الجيش وسلطة الامر الواقع في بورتسودان وتوفير غطاء دولي للمنظمات الإنسانية للعمل مباشرة مع “القيادات المحلية” دون انتظار إذن من السلطات العسكرية .

٢- المقاربة الثانية: “غياب الرؤية كعامل لتعقيد الأزمة” ترى هذه المقاربة أن المؤتمر سقط في فخ “الأداء المسرحي” الذي لا يغير شيئاً على الأرض والاستدلال هنا يقوم على أن الواقع الميداني في مناطق مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق يسيطر عليه الرصاص وسماء النيل الابيض والجزيرة ونهر النيل والخرطوم والشمالية والخرطوم يسيطر عليه الطيران المسير وأي اتفاق مدني في برلين لن يحمي طفلاً من قصف طائرة مسيرة في ودمدني أو الفاشر واستبعاد حكومة الامر الواقع يغذي خطاب “المؤامرة الدولية” ويمنح المتشددين داخل المؤسسة العسكرية مبرراً لرفض أي مبادرة للسلام والتركيز على حشد التعهدات المالية (1.5 مليار دولار) دون آلية وصول حقيقية هو “بيع للأوهام” للشعب السوداني .

#- الخاتمة: السيناريوهات المستقبلية ما بعد برلين .. إن المؤتمر بمساراته الثلاثة وغياباته المدوية لم يكن نهاية المطاف بل هو بداية لمرحلة جديدة من “تدويل الأزمة السودانية” بشكل غير مسبوق لقد نجح المؤتمر في إعادة السودان إلى “صدارة الأجندة الدولية” في وقت ينشغل فيه العالم بحروب أوكرانيا وإيران لكن النجاح الحقيقي سيُقاس بقدرة هذا المسار على التحول من “منصة تنسيق” إلى “قوة ضغط” فاعلة مع سيناريهات محتملة في قادمات الايام تتمثل في :

1. سيناريو الشرعية المدنية الموازية .. إن نجاح القوى المدنية في تشكيل إدارة تكنوقراطية بتمويل دولي مما يخلق ضغطاً هائلاً على العسكريين ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى حالة من “تعدد السلطات” وصراع حول من يملك الحق في إدارة موارد البلاد .

2. سيناريو إدارة الانهيار : فشل المسار السياسي واستمرار الحرب مع تحول مخرجات برلين إلى مجرد “غرفة طوارئ دولية” تحاول إبقاء السودانيين على قيد الحياة بأقل قدر من المساعدات بينما تتقسم البلاد فعلياً إلى مناطق نفوذ عسكرية .

 3. سيناريو التسوية المفروضة : تحول الضغط الدولي الناتج عن مؤتمر برلين (خاصة فيما يتعلق بحظر السلاح والعقوبات) إلى أداة تجبر الجنرالات على العودة إلى طاولة التفاوض تحت شروط مدنية صارمة وهو السيناريو الأكثر تفاؤلاً الذي يراهن عليه منظموا المؤتمر .

في الختام يظل مؤتمر برلين شهادة على “عجز النظام الدولي” و”طموحه” في آن واحد العجز عن وقف آلة القتل المباشرة والطموح في إعادة بناء دولة من بين الرماد برؤية مدنية .. إن الشعب السوداني الذي قدم تضحيات جسيمة ينتظر ليرى ما إذا كانت دولارات برلين وخطاباتها ستترجم إلى “أمن وأمان” أم أنها ستظل مجرد “زوبعة في فنجان” دبلوماسي لا يروي عطش الجياع ولا يوقف نزيف الدماء إن “التعمد” في استبعاد العسكريين هو مغامرة كبرى فإما أن تكون بداية النهاية لزمن الانقلابات أو أن تكون “غياباً للرؤية” يفتح الباب أمام فوضى أشمل في قلب القارة الأفريقية .

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *