​بقلم: نفيسة حجر

​إن الوفاء بتعهدات السودان تجاه المحكمة الجنائية الدولية والالتزام بقرار تسليم المتهمين المطلوبين، ليس مجرد إجراء قانوني أو منحة سياسية خاضعة لتقدير اللحظة بل هو مسؤولية مباشرة ومستحق سيادي يقع على عاتق سلطة الأمر الواقع القائمة حالياً.

إن أي محاولة للمماطلة أو الالتفاف على هذا الملف، لم تعد مجرد تعطيل لمسار العدالة، بل أصبحت بمثابة “غطاء” سياسي وأمني يُدار من خلفه صراع أجنحة النظام البائد، التي تحاول اليوم تحويل قضية جنائية دولية إلى أداة للمساومة وتصفية الحسابات التنظيمية.

​لقد ظل رئيس سلطة الأمر الواقع، الفريق أول البرهان، يكرر في منابره إنكار وجود عناصر التيار الإسلامي في مفاصل الدولة والمؤسسة العسكرية، إلا أن هذا الخطاب الرسمي يصطدم اليوم بحقيقة “الحماية” الممنوحة للمطلوبين دولياً.

إن هذا النهج الذي يتبعه البرهان لا يمكن وصفه إلا بأنه “مراوغة سياسية” تهدف إلى كسب الوقت وامتصاص الضغوط الدولية، وممارسة “تلاعب” مكشوف بمطالب العدالة من خلال استمرار توفير الحصانة الواقعية للمطلوبين. إن عدم تسليم هؤلاء المتهمين حتى اللحظة هو الدليل الدامغ على عدم صدق تلك الادعاءات فالقرار السيادي ما زال مرتهناً لإرادة تنظيم يرى في “العدالة” تهديداً لوجوده.

​إن ما يبرز اليوم من صراع حاد بين قيادات التيار الإسلامي (جناح علي كرتي وأحمد هارون) حول ملف الجنائية، يكشف عن حالة من الرعب الوجودي.

فبينما يبدي طرفٌ مرونة “تكتيكية” لتقديم بعض الرؤوس ككبش فداء لفك العزلة الدولية وتأمين بقاء التنظيم، يرى الطرف الآخر في ذلك “خيانة” ومحاولة للنجاة الفردية على حساب التماسك التنظيمي. هذا التشظي الذي انتقل إلى الميادين العسكرية والاعتقالات المتبادلة في صفوف كتائبهم، يؤكد أننا أمام “مافيا” تتصارع على شرعية متآكلة، مستخدمةً حقوق الضحايا ككرت ضغط في صراع القوى، مستغلة في ذلك حالة التماهي والمراوغة التي توفرها لها السلطة القائمة.

​على المجتمع الدولي والضمير الحقوقي أن يدرك أن العدالة لا تُجزأ، ولا يمكن قبول تحويل الجرائم ضد الإنسانية إلى مادة للابتزاز الداخلي.

إن الطريق إلى دولة القانون يبدأ من كسر “حلقة الحماية” التي توفرها سلطة الأمر الواقع لهؤلاء المطلوبين، والنأي بملف العدالة عن الصفقات المشبوهة التي تُحاك تحت الطاولة بأساليب التلاعب والمقايضة.

​وآخر قولي:

إن التلاعب بملف المحكمة الجنائية الدولية لن يحمي سلطة الأمر الواقع من استحقاقات التاريخ، ولن تعفي المراوغة أصحابها من مسؤوليتهم الجنائية والأخلاقية عن توفير الملاذ الآمن لمن تلطخت أيديهم بدماء السودانيين.

إن العدالة قد تتأثر برياح السياسة لكنها لا تموت، وتسليم كافة المطلوبين دون قيد أو شرط هو العتبة الأولى والوحيدة التي يمكن من خلالها الحديث عن صدق التوجه نحو دولة الحرية والسلام والعدالة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *