نفيسة حجر…يكتب جاء في تغريدة السيد مبارك الفاضل المهدي (رئيس حزب الأمة) عبر منصة “X”: “واضح من قرارات السلطة في السودان انهم غير مستوعبين للازمة التي هي من صنع أيديهم. كيف للسلطة ان تستورد وقود وهي لا تستطيع فتح اعتماد معزز لانها لا تملك المال اللازم. تجار الوقود لديهم اموال طائلة في مصارف خارج السودان فهم لا يدفعون مقدما بل يستخدمون ارصدتهم ضمانة للدفع الاجل ثم يبيعون البترول في السودان ويشترون بثمنه دولارات يحولونها لدفع قيمة البترول الذي استوردوه للسودان. أكبر مستهلك للوقود هو الجيش والمليشيات التي تحارب معه وتقديري انهم يستهلكون 90% من الوقود المستورد وذلك لان الحياة الاقتصادية متوقفة منذ اندلاع الحرب”. وتضع هذه المعطيات الواقعية السلطة القائمة أمام مسؤوليتها القانونية والدستورية، كما تضع مسؤوليها وصناع القرار فيها أمام المسؤولية الجنائية المباشرة فما يجري ليس مجرد أزمة عابرة ناتجة عن ظروف النزاع، بل هو نتاج تخريب متعمد للمنظومة الاقتصادية قادته مافيا النظام الإسلاموي وتكتلاته الاحتكارية غير المشروعة، مما يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الأساسية للمواطنين وإقحاماً ممنهجاً لهم في أتون كارثة إنسانية شاملة. إن معضلة العجز عن فتح “الاعتمادات المستندية المعززة” لعدم توفر الغطاء المالي تكشف عن النتيجة الحتمية لسياسات التمكين والتجريف التي مارستها مافيا النظام البائد على مدى عقود. ويعد إفراغ خزينة الدولة وفقدان أهليتها المالية لإدارة السلع الاستراتيجية كالمحروقات خطأً جسيماً يقع على عاتق السلطة القائمة إذ من المنظور الدستوري، عندما تعجز الدولة عن القيام بأدوارها السيادية وتترك شريان الحياة الاقتصادي مرتهناً لـ “تجار الوقود” وأرصدتهم بالخارج، فإنها تتخلى تماماً عن التزاماتها الدستورية الأصيلة تجاه مواطنيها في حماية “الحق في الحياة والعيش الكريم” وصون العقد الاجتماعي. ويعكس هذا الواقع كيف أنشأت ورعت شبكات الفساد منظومة مالية موازية خارج النطاق المصرفي الرسمي، تتيح لشبكات محددة الهيمنة التامة على المشتريات الحيوية، وتحقيق أرباح تقع تحت طائلة قانون مكافحة الثراء الحرام والمشبوه لسنة 1989 لما تشكله من كسب غير مشروع على حساب المصلحة العامة. علاوة على ذلك، فإن الدورة المالية التي وصفتها التغريدة والمتمثلة في الاستيراد بضمانات خارجية، ثم البيع محلياً، ثم سحب الدولار من السوق الموازي لإعادة تحويله للخارج تحت مسمى “سداد قيمة البترول” مثل ممارسة تقع تحت طائلة المادة 57 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 (تخريب الاقتصاد القومي) والمخالفة الصارخة لـ قانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي. وبدلاً من حماية النقد وضبط السياسة النقدية، تشترك السلطة في هذا التخريب عبر السماح بآلية تؤدي إلى الانهيار المتسارع للجنيه السوداني وتآكل القوة الشرائية للمواطن، حيث يتم التضحية بمعاش الناس واستقرارهم المعيشي لضمان استمرار تدفق الأموال والنفوذ لصالح سماسرة النظام الإسلاموي وتكتلاته الاحتكارية غير المشروعة. ويكتمل هذا المشهد الكارثي بالنظر إلى التقدير الوارد بأن الجيش والميليشيات المتحالفة معه يستهلكون 90% من الوقود المستورد في ظل شلل تام للحياة الاقتصادية، وهو ما يمثل مؤشراً قانونياً وإنسانياً بالغ الخطور؛ إذ تلزم المواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني السلطة القائمة بضمان التوزيع العادل للموارد وتوفير المقومات الحياتية الأساسية للمدنيين. إن توجيه الغالبية العظمى من الموارد المستوردة من مدخرات البلاد واقتصادها لصالح العمليات العسكرية فقط، مع ترك القطاعات الحيوية كالزراعة، الصحة، والمياه في حالة شلل تام، يمثل تعريضاً عمداً لحياة الملايين لخطر الموت والإفقار، وهو سلوك تعسفي يتجاوز سوء الإدارة ليصبح استخداماً للاحتكار الاقتصادي كأداة للضغط وسياسة ممنهجة لتهديد بقاء السكان المدنيين. وآخر قولي: إن الأزمة الحالية في السودان تأسست بناءً على المعطيات المذكورة كامتداد هيكلي لسياسات النظام البائد وتناسلٍ طبيعي لنهجه الاقتصادي، الذي تتبناه السلطة القائمة اليوم عبر تحالفها العضوي مع الواجهات المالية وشبكات التمكين التابعة للنظام المباد التي عملت على تدمير واحتكار مقدرات البلاد. وعليه، تتحمل هذه السلطة المسؤولية القانونية والدستورية الكاملة عن تعطيل المرفق المالي والمصرفي الرسمي وإفراغه من مقوماته السيادية، بينما تقع التبعات الجنائية الناشئة عن ذلك على عاتق مسؤوليها وصناع القرار فيها، فضلاً عن مسؤولية السلطة عن تفضيل الإنفاق العسكري على حساب حياة المدنيين بما ينتهك الالتزامات الدستورية والدولية، وتوفير الغطاء لشبكات الفساد التي تتربح من معاناة الشعب السوداني. إن تحول الدولة من منظم للاقتصاد وحامٍ للمدنيين إلى مستهلك ومسهّل لآليات المافيا الاحتكارية يجرّدها تماماً من مشروعيتها الدستورية والأخلاقية في إدارة شؤون البلاد، مما يستوجب وضع أفعال تخريب الاقتصاد القومي والثراء الحرام في مقدمة أولويات المحاسبة والعدالة الانتقالية كجرائم موجهة ضد الشعب شارك تصفّح المقالات تآكل نموذج القيادة والسيطرة وانتهاء إحتكار الرواية الرسمية للدولة