عمار نجم الدين…يكتب لا تُصنع التحولات التاريخية الكبرى داخل ردهات السياسة اليومية وحدهم، ولا تكتبها البنادق أو الاتفاقيات في لحظات توقيعها الانفعالية؛ إنما تولد أولاً داخل فضاءات الفكر، وقاعات الجامعات، ومراكز البحث، حيث تتشكل الأطروحات البديلة التي تعيد تعريف الدولة والمجتمع. فالسياسة، في عمقها البنيوي، ليست سوى المرحلة الإجرائية الأخيرة لمسار يبدأ بإنتاج المعرفة وتفكيك السرديات السائدة. من هنا، فإن قراءة تاريخ السودان الحديث من زاوية الصراع الثنائي بين الحكومات المركزية والحركات المسلحة تظل قراءة قاصرة وسطحية؛ لأنها تسقط عمداً الدور الحاسم الذي لعبته النخب الأكاديمية والمثقف العضوي في صياغة الأفكار التي مهدت لأهم مشاريع السلام وإعادة بناء الدولة. من بين هذه القامات، يحتل البروفيسور تيسير محمد أحمد علي موقعاً استثنائياً في التاريخ السياسي والفكري السوداني. لقد زاوج بين موقع الأستاذ الجامعي المتخصص في العلوم السياسية والاقتصاد السياسي، ودور المثقف المشتبك الذي لم يكتفِ بتشريح الأزمة السودانية داخل الأسوار الأكاديمية، بل انخرط في قلب الحراك التاريخي لإعادة صياغة شروطها. لم يكن تيسير ينظر إلى الحرب الأهلية بوصفها مأزقاً أمنياً طارئاً يمكن احتواؤه بمسكنات التسويات المؤقتة أو بالحلول العسكرية، بل واجهها كعرض بنيوي حتمي لدولة ما بعد الاستقلال؛ تلك الدولة المركزية الإقصائية التي عجزت بنيوياً عن استيعاب التنوع القومي والثقافي والديني، واستبدلته بـ “هوية آيديولوجية قسرية” أفرزت التهميش والنزاع. جاءت مساهمة البروفيسور تيسير في لحظة تاريخية بلغت فيها أزمة الدولة ذروتها. فبعد توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، توهمت النخبة الحاكمة أن السودان دخل طور الاستقرار، متغافلة عن أن ذلك السلام لم يمس الجذور البنيوية للصراع بل اكتفى بتجميد نتائجه. وحين أقدم سلطوي مثل جعفر نميري عام 1983 على تصفية الاتفاقية، وإعادة تقسيم الجنوب، وفرض قوانين سبتمبر، انهار هذا التوازن الهش، لتندلع الحرب مجدداً لكن بأفق جديد قاده الدكتور جون قرنق، الذي أعلن منذ التأسيس أن المعضلة ليست “مشكلة جنوب”، بل هي “مشكلة الخرطوم” وطبيعة السلطة المركزية نفسها. وفي الوقت الذي انخرطت فيه القوى السياسية التقليدية في إدارة الصراع اليومي والتاكتيكي مع نظام نميري، كان ثمة حوار من نوع آخر يدور داخل جامعة الخرطوم والمؤسسات الأكاديمية. حوار انطلق من تساؤل جوهري تفكيكي: لماذا يعيد الفشل نفسه في السودان؟ وهل تكمن الإجابة في إسكات البنادق، أم في تفكيك بنية الدولة التي تنتج هذه البنادق؟ كان البروفيسور تيسير في طليعة هذا التيار، متسلحاً بأدوات الاقتصاد السياسي وتواصله الحي مع المدارس الفكرية النقدية في شرق أفريقيا، والتي كانت تشتبك حينها مع معضلات التعدد القومي والعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة. أثمرت تلك النقاشات النقدية عن قناعة راسخة لدى تيسير وزملائه بأن الأزمة السودانية ليست صراعاً صفرياً بين “شمال وجنوب” أو “دين وعلمانية” كما تروج السردية المركزية، بل هي أزمة دولة عجزت عن أن تتحول إلى مظلة مواطنة تسع الجميع. وبناءً على ذلك، غدا واضحاً أن أي مشروع سلام لا ينطلق من إعادة تعريف جذرية للدولة وإعادة تأسيسها، لن يكون سوى هدنة مؤقتة تترقب الانهيار القادم. بهذا الأفق الفكري، بدأت أواخر عام 1984 اللقاءات السرية والجريئة التي جمعت البروفيسور تيسير بالدكتور جون قرنق في أديس أبابا. لم تكن تلك اللقاءات مجرد اتصالات سياسية عابرة أو وساطة تقليدية، بل كانت امتداداً طبيعياً لحوار فكري متصل بين الأكاديمية النقدية وحركة التحرر، حوار يسعى لتجاوز الإرث الاستعماري للدولة المركزية وصياغة عقد اجتماعي وتأسيسي جديد. اكتسبت تلك اللقاءات قيمتها التاريخية من كونها جرت في مناخ كانت فيه السلطة في الخرطوم تصنف مجرد التواصل مع الحركة الشعبية خيانة وطنية وتمرقاً يستوجب الملاحقة الأمنية، مما جعل من فعل تيسير الفكري مغامرة سياسية وأخلاقية، وضعت اللبنات الأولى لما عُرف لاحقاً بـ “إعلان كوكادام”، كأول محاولة جادة لخلع الشرعية عن الدولة القديمة والتأسيس لـ “السودان الجديد”. شارك تصفّح المقالات استقطاب اللاجئين في معسكرات اللجوء خارج الحدود جريمة قانونية وانتهاك للحماية الدولية