عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ….يكتب في الوقت الذي يعيش فيه ملايين السودانيين واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ البلاد الحديث تبرز ممارسات تثير مخاوف قانونية وأخلاقية عميقة تتعلق بمستقبل الحماية الدولية للاجئين السودانيين وبمستقبل السلام والاستقرار في السودان والمنطقة بأكملها فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب وما خلفته من دمار واسع ونزوح ولجوء غير مسبوق أصبح ملايين السودانيين موزعين بين معسكرات النزوح داخل البلاد ومعسكرات اللجوء في دول الجوار والقارة الإفريقية والعالم وهم يحملون في ذاكرتهم قصص الفقد والموت والجوع والانهيار الكامل لمقومات الحياة هؤلاء اللاجئون لم يغادروا وطنهم بحثا عن الرفاهية أو سعيا وراء امتيازات جديدة بل خرجوا من ديارهم هربا من القصف والقتل والانتهاكات وانهيار الخدمات الأساسية تاركين خلفهم المنازل والأراضي والمدارس والجامعات وفرص العمل وأحلام المستقبل وفي ظل هذه الأوضاع الإنسانية المعقدة تبرز تساؤلات خطيرة حول محاولات استقطاب بعض اللاجئين داخل المعسكرات أو استغلال أوضاعهم النفسية والاجتماعية والسياسية لإعادتهم إلى دائرة الصراع المسلح أو دفعهم إلى الانخراط في أنشطة ذات طبيعة عسكرية أو شبه عسكرية إن هذه المسألة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد نشاط سياسي أو دعوي أو تعبوي بل يجب التعامل معها باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي للاجئين وقواعد حماية المدنيين ومبادئ حقوق الإنسان التي تشكل الأساس القانوني والأخلاقي لنظام الحماية الدولية المعاصر لقد نشأت منظومة اللجوء الدولية بعد تجارب إنسانية قاسية شهدها العالم خلال الحروب الكبرى وذلك بهدف توفير ملاذ آمن للأشخاص الذين اضطروا إلى الفرار من بلدانهم بسبب الحروب والاضطهاد والعنف وبموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين والبروتوكول المكمل لها لعام 1967 أصبح المجتمع الدولي ملزما بحماية اللاجئين وضمان أمنهم وسلامتهم واحترام حقوقهم الأساسية وعدم تعريضهم لأي ضغوط أو ممارسات من شأنها أن تعيدهم إلى الظروف التي دفعتهم إلى الفرار في المقام الأول كما تؤكد المبادئ الأساسية للحماية الدولية على ضرورة المحافظة على الطابع المدني والإنساني لمعسكرات اللجوء باعتبارها أماكن مخصصة لحماية المدنيين وليس لتحويلهم إلى أطراف في النزاعات المسلحة ومن هذا المنطلق فإن ظهور المصباح قائد كتبية البراء بن مالك في معسكر الاجئين في رواندا إلى استقطاب اللاجئين أو تعبئتهم أو التأثير عليهم للانخراط في أعمال مرتبطة بالحرب يثير إشكالات قانونية خطيرة لأنه يمس جوهر الحماية التي أنشئت من أجلها منظومة اللجوء الدولية وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق بالشباب الذين فقدوا فرص التعليم والاستقرار نتيجة الحرب إذ يصبحون أكثر عرضة للتأثر بالخطابات العاطفية أو السياسية أو العسكرية في ظل أوضاع اللجوء القاسية التي يعيشونها إن القانون الدولي الإنساني الذي تشكل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 أساسه الرئيسي يقوم على مبدأ جوهري يتمثل في حماية المدنيين وإبعادهم عن العمليات العسكرية وعدم تعريضهم لمخاطر النزاعات المسلحة وعندما يخرج المدني من ساحة الحرب ويلجأ إلى دولة أخرى طلبا للحماية فإن المجتمع الدولي يفترض أنه أصبح شخصا محميا بموجب قواعد القانون الدولي وأنه انتقل من دائرة الخطر إلى دائرة الأمان ولهذا فإن أي محاولة لإعادته إلى أجواء النزاع أو استغلال ظروفه الإنسانية لإقناعه بالمشاركة في الصراع تمثل مساسا خطيرا بالمبادئ التي قامت عليها منظومة الحماية الدولية وعلى المستوى الإفريقي فإن اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية الخاصة بالجوانب المحددة لمشكلات اللاجئين في إفريقيا لعام 1969 أكدت بصورة واضحة ضرورة توفير الحماية للاجئين ومنع أي ممارسات من شأنها تعريض أمنهم أو سلامتهم للخطر كما أن بروتوكول مجلس السلم والأمن الإفريقي لعام 2002 منح المجلس صلاحيات واسعة في مواجهة النزاعات المسلحة ومنع تفاقم الأزمات الإنسانية ودعم الجهود الرامية إلى حماية المدنيين واللاجئين والنازحين وتعزيز الأمن والاستقرار في القارة الإفريقية ولا يقتصر الأمر على البعد القانوني فقط بل يمتد إلى البعد الأخلاقي والإنساني والوطني فاللاجئ السوداني الموجود اليوم في معسكرات اللجوء هو ضحية للحرب وليس صانعا لها وهو شخص فقد الكثير من حقوقه الأساسية بسبب نزاع لم يكن سببا فيه ولذلك فإن استغلال معاناته أو تحويل ظروفه الإنسانية إلى وسيلة لإطالة أمد الحرب يمثل انتهاكا للقيم الإنسانية قبل أن يكون مخالفة للمبادئ القانونية إن الشعوب التي أنهكتها الحروب تحتاج إلى مشاريع للسلام لا إلى مشاريع لتوسيع دائرة الصراع وتحتاج إلى إعادة بناء المدارس لا إلى زيادة أعداد المقاتلين وتحتاج إلى الاستثمار في الإنسان لا إلى استهلاكه في معارك لا تنتهي لقد أثبتت التجارب التاريخية في العديد من دول العالم أن استمرار الحروب لا ينتج سوى مزيد من الدمار والانقسام والفقر والنزوح بينما يمثل السلام وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان الطريق الوحيد نحو الاستقرار والتنمية وإعادة بناء الدولة وفي الحالة السودانية فإن الأولوية الوطنية والأخلاقية يجب أن تنصب على وقف الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية وضمان عودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية وكريمة وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والمواطنة وسيادة القانون كما تقع على عاتق المجتمع الدولي والدول المضيفة والمنظمات الإنسانية مسؤولية مضاعفة في حماية اللاجئين السودانيين من أي شكل من أشكال الاستغلال السياسي أو العسكري أو الأيديولوجي والعمل على ضمان بقاء معسكرات اللجوء فضاءات إنسانية محايدة ومحمية وفقا للمعايير الدولية إن استقطاب اللاجئين داخل معسكرات اللجوء خارج الحدود لا يمثل فقط تجاوزا أخلاقيا أو سياسيا بل يثير تساؤلات قانونية جدية حول احترام قواعد الحماية الدولية وحقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي الإنساني ويهدد بتحويل أماكن الأمان إلى امتداد جديد لساحات الصراع والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن السودان لن يخرج من أزمته عبر توسيع دائرة الحرب أو استنزاف المزيد من شبابه وإنما عبر ترسيخ ثقافة السلام والعدالة والمصالحة الوطنية واحترام الكرامة الإنسانية فالأوطان لا تبنى بالمخيمات العسكرية ولا بإعادة إنتاج أسباب الحرب بل تبنى بحماية الإنسان وصون حقوقه وتوفير التعليم والعدالة والتنمية وإعلاء قيمة الوطن فوق المصالح السياسية الضيقة ولهذا فإن حماية اللاجئين السودانيين من أي محاولات للاستقطاب أو الاستغلال تمثل اليوم واجبا قانونيا وأخلاقيا ووطنيا وإنسانيا لا يقل أهمية عن أي جهد يبذل لوقف الحرب نفسها لأن حماية الضحية هي الخطوة الأولى في طريق بناء السلام وحماية الوطن نواصل بمشيئة الله بتاريخ 15 /يونيو /2026 شارك تصفّح المقالات تغريدة مبارك الفاضل تكشف واقع التدمير الممنهج لاقتصاد البلاد وحياة المدنيين البروفيسور تيسير محمد أحمد علي وإعادة تأسيس الدولة السودانية: من كوكادام إلى الميثاق التأسيسي