هدنة تحت النار

أبريل 28, 2026

 

عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

 

ما يجري خلف كواليس الهدنة المرتقبة في السودان يكشف ان البلاد دخلت مرحلة اعادة تشكيل سياسي واقليمي تتجاوز مجرد وقف اطلاق النار الى محاولة اعادة هندسة السلطة والتحالفات ومراكز النفوذ داخل الدولة السودانية

 

التسريبات المتداولة تشير الى ان بعض الطروحات المطروحة في مسارات التفاوض تشمل اعتقال قيادات محسوبة على تيار الاخوان المسلمين المعروف محليا بالكيزان وتسليم بعض المطلوبين الى المحكمة الجنائية الدولية وهو ما يعكس حجم الضغوط الدولية المتصاعدة المرتبطة بملفات جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني

 

وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل الانقسامات المتزايدة داخل التيار الاسلامي نفسه خاصة مع تصاعد الخلافات في بورتسودان بين احمد هارون وعلي كرتي حول كيفية التعامل مع ملف المحكمة الجنائية الدولية وهي خلافات تعكس صراعا سياسيا وتنظيميا يتجاوز التكتيك المرحلي الى صراع وجود ومصير داخل بنية الحركة الاسلامية السودانية

 

كما ان بعض الدول الغربية والاقليمية تتعامل مع جماعة الاخوان المسلمين باعتبارها جماعة متطرفة او مهددة للاستقرار الاقليمي الامر الذي يجعل هذا الملف محل تجاذب سياسي وقانوني مستمر داخل المنطقة

التحولات الاقليمية المتسارعة خاصة التقارب غير المعلن بين بعض العواصم العربية والقوى الدولية قد تجعل من ابوظبي مركزا رئيسيا لاعادة ترتيب المشهد السوداني وهو ما ينسف تدريجيا خطاب العدو التقليدي الذي ظل التيار الاسلامي يستخدمه في تعبئة الشارع السوداني خلال السنوات الماضية

 

اما البرهان فيبدو انه يواجه ازمة معقدة للغاية فقبول شروط الهدنة قد يفتح عليه مواجهة داخلية مع التيار الاسلامي ورفضها قد يضعه في مواجهة ضغوط دولية واقليمية متصاعدة خصوصا مع تصاعد الحديث عن عقوبات ومسارات عدلية دولية جديدة

 

مخرجات مؤتمر برلين ٢٠٢٦ ركزت بصورة اساسية على وقف الحرب وفتح المسارات الانسانية والعودة الى الحكم المدني ورفض عسكرة الدولة مع تعهدات مالية تجاوزت مليار ونصف دولار لدعم المدنيين والنازحين والدفع نحو تسوية سياسية شاملة كما اعاد المؤتمر طرح فكرة الرقابة الدولية على تنفيذ اي هدنة مستقبلية داخل السودان

 

الحرب الامريكية الايرانية الباردة والمفتوحة في المنطقة تلقي بظلالها بصورة مباشرة على السودان باعتباره جزءا من التوازنات السياسية في البحر الاحمر والقرن الافريقي حيث تسعى القوى الدولية الى منع تحول السودان الى منصة نفوذ ايراني او ساحة فوضى تهدد الملاحة الدولية وامدادات الطاقة والتوازنات العسكرية في الاقليم

 

ومن الناحية القانونية فان نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة ١٩٩٨ ينص في المادة ٥ و٦ و٧ و٨ على اختصاص المحكمة بجرائم الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب كما تنص المادة ٢٧ على عدم الاعتداد بالصفة الرسمية للمسؤولين اثناء المحاسبة الجنائية الدولية

 

كما تنص اتفاقيات جنيف الاربعة لسنة ١٩٤٩ والبروتوكولان الاضافيان لسنة ١٩٧٧ على حماية المدنيين اثناء النزاعات المسلحة وتجريم الاستهداف العشوائي ومنع التجويع والقتل خارج القانون

 

وتنص المادة ٣ المشتركة بين اتفاقيات جنيف على حظر القتل والتعذيب والمعاملة القاسية بحق المدنيين والاسرى كما تحظر المادة ١٣ من البروتوكول الثاني الهجمات ضد السكان المدنيين

 

اما الميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب لسنة ١٩٨١ فقد نص في المادة ٤ على حماية الحق في الحياة وفي المادة ٥ على حماية الكرامة الانسانية وحظر التعذيب بينما نصت المادة ٢٣ على حق الشعوب في السلم والامن

 

كذلك فان ميثاق الامم المتحدة في المادة الاولى يدعو الى حفظ السلم والامن الدوليين بينما تمنح المادة ٩٩ الامين العام سلطة التحرك تجاه النزاعات التي تهدد الامن والسلم العالمي

 

كل هذه النصوص القانونية تجعل استمرار الحرب في السودان محل مساءلة قانونية واخلاقية دولية وتؤكد ان حماية المدنيين ليست مسألة سياسية فقط بل التزام قانوني دولي واجب النفاذ

 

المشهد السوداني يتجه نحو مرحلة فاصلة اما تسوية شاملة تعيد بناء الدولة على اسس جديدة او انفجار سياسي وعسكري اكبر قد يفتح الباب امام تدويل كامل للازمة واعادة رسم موازين السلطة والنفوذ داخل السودان والمنطقة بأكملها

 

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

 

٢٨ /ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *