نفيسة حجر

 

​”لملمي يا ذُرا الجبال بقايا النسر .. وارمـي بـها صدور العصور”

“إنـه لـم يعد يكحل جفن النجم .. تـيـها بـريـشة الـمـنثور”

“هـجر الوكر ذاهلاً وعلى عينيه .. شـيء مـن الـوداع الأخـير”

“تـاركا خـلفه مـواكب سحب .. تـتهاوى مـن افـقها المسحور”

(عمر أبو ريشة)

​على المنصات الرسميات، لا يزال “صقر الجديان” يرفرف بشموخه الزائف فوق أوراق الترويسة وكتوف القادة، لكن في الميدان، تبدو الحقيقة مغايرة تماماً؛فصقر الجديان قد تهاوى ليكون مثل نسر عمر أبو ريشة؛ ذاك الذي “هجر الوكر ذاهلاً”، ولم يعد يكحل أجفان النجوم بتيهه القديم، بل صار بقايا منثورة تتقاذفها صدور العصور.

إن ما نراه اليوم ليس مجرد خسارة جغرافية، بل هو “الوداع الأخير” لرمزية مؤسسة تآكلت بفعل عقود من التجريف الممنهج، ومثلما تنهش الذرى بقايا النسر في القصيدة، نهشت الحركة الإسلامية عظم الجيش السوداني عبر سياسة “التمكين” التي غيبت الكفاءة القتالية لصالح الولاءات التنظيمية، وحل محلها مزيج من “المستنفرين” وكتائب الظل المؤدلجة الذين يقاتلون اليوم بلا عقيدة وطنية، بل برغبة انتقام جعلتهم وقوداً في معركة خاسرة أخلاقياً وعسكرياً، تاركين خلفهم مواكب سحب من المجد القديم تتهاوى من أفقها المسحور.

​لقد ترهل “الصقر العجوز” حتى أصبح عاجزاً عن مجاراة (عيال الدعم الدقاق) الذين حطموا أسطورة “الهيبة المركزية”، ولم يكن هذا الانهيار عجزاً في السلاح بقدر ما هو عجز في الروح والمهنية؛ إذ تحول القادة إلى موظفين سياسيين والمقاتلين إلى أداة لحماية تنظيم لا لحماية شعب، فخسروا الأرض والوجدان معاً، وأصبح تيههم ريشاً منثوراً لا قيمة له. ويبرز الارتهان للخارج كأوضح تجليات هذا النسر الهرم، حيث كشفت الوقائع الميدانية الأخيرة عن استعانة فجة بمرتزقة أجانب من “التقراي” و”المصريين” لسد عجز القوات، وهو الإقرار الأخير بموت المؤسسة؛ فمن يعجز عن حماية نفسه بأبناء شعبه ويستجدي البندقية المأجورة لا يمكنه ادعاء حماية “الكرامة” الوطنية.

​إن جولات الفريق البرهان الخارجية ليست إلا بحثاً مضنياً عن “عش آمن” بعيداً عن حطام الميدان، ورحلات استجداء للشرعية بعد أن فقدها في مدن دارفور وكردفان والنيل الازرق .

وبين “صقر الجديان” الذي يمثل حلم الدولة، و”نسر أبو ريشة” الذي يجسد واقع الجيش، هوة سحيقة حفرتها الأيديولوجيا، فالحقيقة المرة هي أن الجيش الذي يقتل مهنيته من أجل بقاء تنظيم لا يستحق أن يحلق في سماء السودان القادم فاعادة بنائه باتت ضىورية.

وكما في القصيدة، فإن “بقايا النسر” اليوم تذروها رياح الحقيقة، وما بقي هو الوداع الأخير لعهدٍ ظن فيه البعض أن البندقية المؤدلجة يمكن أن تصنع وطناً، بينما هي لم تصنع سوى الانكسار فوق أطلال وطن ينزف.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *