بقلم: آدم الحاج عبدالله عبدالرحمن أديب

مركز شركاء التغيير والمستقبل للدراسات الاستراتيجية الثلاثاء، 28 أبريل 2026م

 

​ استهلال: حين تتحول الحرائق إلى ظاهرة

​لم تعد الحرائق التي تضرب الأسواق ومناجم الذهب داخل نطاق سيطرة حكومة الوحدة والسلام (تأسيس) مجرد حوادث عرضية يمكن تفسيرها بالإهمال أو الظروف الطبيعية. إن التكرار المريب، واتساع النطاق الجغرافي، وتكرّس الخسائر في المفاصل الاقتصادية الحساسة، كلها مؤشرات تدفع نحو تساؤل بنيوي كبير:

​هل نحن أمام خلل هيكلي عابر.. أم أمام نمط استراتيجي يستهدف ضرب العمق الاقتصادي؟

​إن الخطورة لا تكمن فقط في اشتعال النيران، بل في “الفراغ المعلوماتي” واستمرار هذه الحوادث دون رواية رسمية مقنعة أو نتائج تحقيقات شفافة تضع حداً للتأويلات والشكوك.

​ حالة مفصلية: حريق موقف الجنينة بنيالا

​يمثل الحريق الذي اندلع في سوق موقف الجنينة بمدينة نيالا نقطة فاصلة في فهم هذه الظاهرة؛ لكونه وقع داخل “العاصمة الإدارية” ومركز الثقل الاقتصادي لحكومة (تأسيس).

​حجم الكارثة: وبحسب التصريحات الرسمية، أدى الحريق إلى تدمير ما يقارب 80% من السوق.

​التساؤل الاستراتيجي: كيف يقع حريق بهذا الحجم في قلب العاصمة دون احتواء سريع؟ وأين كانت إجراءات السلامة والرقابة قبل وقوع الكارثة؟

​إن تدمير معظم سوق رئيسي داخل عاصمة الحكومة يعني أن القضية لم تعد تتعلق بسبب الحريق المباشر فحسب، بل بقدرة السلطة على تأمين وحماية منظومتها الاقتصادية.

أولاً: هل نحن أمام نمط ممنهج؟

​القراءة المتأنية لتسلسل الحرائق تكشف ملامح نمط مقلق يتجاوز الصدفة:

​الاستهداف النوعي: التركيز على مواقع ذات كثافة تجارية وعصب مالي عالٍ.

​توسيع الدائرة: امتداد الظاهرة إلى “مناجم الذهب”، وهي الشرايين المالية الأكثر حساسية.

​غياب الشفافية: استمرار غياب البيانات التفصيلية التي تفسر كل حادثة على حدة.

​هذا التكرار يفتح الباب أمام احتمالين: إما عجز إداري فادح في أنظمة السلامة، أو نشاط تخريبي منظم يستثمر في هذا الضعف لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية.

​ ثانياً: فرضية الفاعل المعادي – تخريب أم فرصة؟

​في سياقات النزاع، تصبح الأسواق ومصادر الثروة أهدافاً استراتيجية. فرضية وجود طرف معادٍ يسعى لضرب الاستقرار الاقتصادي تظل وجيهة جداً إذا ما وجد:

​ثغرات أمنية واضحة في تأمين المنشآت.

​ضعف في الانتشار الرقابي والوقائي.

​غياب الردع الناتج عن كشف الجناة ومحاسبتهم علناً.

​ ثالثاً: السؤال الحاسم – أين الأجهزة الأمنية؟

​بعيداً عن هوية الفاعل، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً موجهاً للمؤسسات: أين الشرطة؟ أين الاستخبارات؟ وأين منظومة الوقاية؟ إن الدولة تُقاس قدرتها بـ:

​المنع: إحباط الخطر قبل وقوعه.

​الاستجابة: الكفاءة في إدارة الأزمة لحظة حدوثها.

​المصارحة: كشف الحقيقة للرأي العام لقطع الطريق أمام الشائعات.

​⚖️ رابعاً: البعد القانوني – جريمة أم تقصير؟

​من زاوية قانونية، نحن أمام شقين لا يقل أحدهما خطورة عن الآخر:

​حريق عمدي (تخريب اقتصادي): فعل جنائي يستوجب ملاحقة صارمة، كونه يستهدف استقرار المجتمع.

​تقصير إداري وأمني: ويشمل الإهمال في تطبيق اشتراطات السلامة والرقابة، وهو ما يستوجب المحاسبة الإدارية والقانونية الفورية.

​📉 خامساً: من يدفع الثمن؟

​الخسائر تتجاوز قيمة الممتلكات لتصل إلى:

​ضرب الحاضنة: انهيار مصادر دخل مئات الأسر.

​تسميم البيئة الاستثمارية: خلق بيئة طاردة لرؤوس الأموال.

​الفوضى المنظمة: إعادة تشكيل السوق لصالح أطراف قد تستفيد من هذه الحرائق.

​🧩 خاتمة: بين الغموض والمساءلة

​إن ما حدث في نيالا لا يمكن اعتباره حادثاً معزولاً، بل هو جرس إنذار يستوجب قراءة الواقع بعين استراتيجية فاحصة. ما لم يعد مقبولاً هو استمرار حالة الغموض التي تغلف هذه الحرائق.

​المطلوب اليوم وبشكل عاجل:

​تحقيقات شفافة ومعلنة تضع النقاط على الحروف.

​تحديد المسؤوليات بوضوح ومحاسبة المقصرين.

​تعزيز الوجود الأمني الوقائي في الأسواق ومناطق التعدين.

​لأن القضية لم تعد: لماذا تحترق الأسواق؟ بل أصبحت: كيف تحترق.. ولا يُسأل أحد؟

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *