م.عبدالملك زكريا على ..يكتب تحتل استعارة “ضل الضحى” في الوجدان السوداني مكانة مركزية تتجاوز كونها مجرد توصيف لظاهرة فيزيائية مرتبطة بحركة الشمس لتتحول إلى بنية عميقة تشكل الوعي الجمعي بالزمن والسلطة والمادة إن “ضل الضحى” بصفته ظلاً قصيراً متقلباً وسريع الزوال يمثل في التقاليد السودانية رمزية للفناء وعدم الجدوى وهو ما ينعكس بشكل حاد على القراءة الشعبية للواقع السياسي الذي يتسم بالتقلب المستمر وعدم الاستقرار … إن المتتبع لهذه الرمزية وأثرها في الثقافة السياسية والممارسات الإدارية والإنتاج الأدبي مع تسليط الضوء على الفجوة القائمة بين الخيال الثوري والحكي اليومي في سياق دولة تعيش حالة من “الرمال المتحركة” السياسية منذ استقلالها … يتشكل المفهوم الثقافي لضل الضحى من المثل إلى السلوك حيث تبدأ تجليات “ضل الضحى” في العقل السوداني من خلال الأمثال الشعبية التي تعمل كضوابط أخلاقية واجتماعية يبرز المثل القائل “إن عجبك مالك شوف ضل الضحى وإن عجبوك رجالك شوف التراب” كقاعدة ذهبية توضح مفهوم “التحول” .. المال هنا يُشبه بظل الضحى في سرعة رحيله بينما يُذكر “التراب” بنهاية القوة البشرية مما يخلق وعياً جمعياً يميل إلى الزهد تارة وإلى عدم الثقة تارة أخرى … هذا الوعي الوجودي بالزوال يؤثر بشكل مباشر على السلوك الاقتصادي والسياسي … حيث يسود نوع من “ثقافة التخلف” التي تتسم بالاتكالية والتسويف مستندة إلى فهم مغلوط للمفاهيم الدينية والتقاليد الاجتماعية .. إن هذه الثقافة تنتج نمطاً من الشخصية المعاصرة التي تميل إلى الاستهلاك وغياب العمل المنتج حيث يُنظر إلى السعي الحثيث في الرزق بنوع من الريبة ويُستعاض عنه بمقولات مثل “إن تجري جري الوحوش غير رزقك ما بتحوش” هذا التواكل لا يقتصر على الفرد بل يمتد ليشمل البنية الإدارية للدولة حيث يغيب الإتقان الفني وتسيطر العطالة المقنعة والكسل مما يعيق أي محاولة للنهوض الاقتصادي المستدام وفي ظل هذا المناخ تتحول “الزعامة” من مسؤولية وطنية قائمة على الكفاءة إلى استعراض للثراء والعطاء والكرم غير المنقطع مما يفتح الباب واسعاً أمام الفساد المالي والإداري كآلية للحفاظ على المكانة الاجتماعية والسياسية . ثقافة التخلف هذه وانعكاساتها على الشخصية السودانية تركت اثر سلوكي وسياسي وإداري وتقديس الماضي وتحويل التراث إلى عبء مقدس غير قابل للنقد وجمود في الخيال السياسي والارتباط بنماذج حكم قديمة والاتكالية وغياب العمل المنتج والميل للكسل والخمول وترهل الجهاز الإداري للدولة وضعف الإنتاجية الوطنية والركون للزعامة الرعوية واشتراط الكرم والعطاء المادي في القائد وانتشار الفساد المالي واستغلال الموارد للمصالح الضيقة والشفاهية والجدل وكثرة الكلام والمغالطة في الكورة والسياسة وغياب الحوار العقلاني المنظم والتركيز على السجال اللفظي هذه الخصائص السلوكية تخلق بيئة خصبة لنمو الخطاب السياسي الشعبوي حيث يتم التلاعب بالعواطف الجماهيرية عبر لغة خشنة تفتقر إلى مفردات اللطف والاعتذار وهي سمة أصبحت مهيمنة في القاموس السوداني المعاصر هذا النوع من التواصل السياسي يعزز الانفعالية السريعة بدلاً من التفكير الرزين مما يجعل القرارات السياسية الكبرى عرضة للتقلب تماماً كظل الضحى . #- الواقع السياسي السوداني: دائرة الحكي والرمال المتحركة : يوصف الواقع السياسي السوداني بأنه كتلة واحدة لا تفصل بين الشعب والحكام والوطن وهو ما يولد سوء فهم مزمن وإدراكاً خاطئاً لمفهوم الدولة فمنذ ثورة أبريل 1985م مثلا دخلت البلاد في تجربة ديمقراطية ثالثة لم تستقر حيث أصبحت المواقف السياسية أشبه بالرمال المتحركة التي تتبدل فيها المواقع والولاءات بسرعة مذهلة هذا التقلب ليس نتاجاً لصدفة سياسية بل هو انعكاس لبنية ثقافية تجد في “الحكي” وسيلة للالتفاف على الواقع بدلاً من مواجهته … وفي الفضاء السياسي السوداني تبرز ظاهرة “الحكي” كأداة للنقد والتوثيق لكنها غالباً ما تسقط في فخ المباشرة الأيديولوجية على سبيل المثال والروايات والحكي السوداني غالبا ما يميل إلى مناقشة قضايا حساسة كالرق والتهميش والاستعلاء العرقي لكنها أحياناً تفتقر إلى العمق الجمالي والموضوعية وتتحول إلى خيالات سياسية مباشرة . #- الحكي التاريخي وتكرار الدائرة المفرغة: توثق السرديات السودانية المعاصرة لتاريخ ممتد لحكم العسكر بدءاً من انقلاب عبود في 1958م مروراً بنظام نميري وصولاً إلى نظام البشير حيث الفكرة المركزية التي تخرج بها من هذه السرديات هي أن البلاد تدور في دائرة مفرغة حيث تتكرر المشاهد والفساد ومصادرة الحريات دون ان تتعلم من الدروس السابقة هذا “الحكي” يؤكد ضلوع السياسيين كافة في صناعة الديكتاتور ورعايته بينما يظل الإنسان السوداني يلهث وراء الأوهام والأكاذيب مؤيداً من يستغله . 1. انعدام البدايات والنهايات: في العقل السياسي السوداني تنعدم فكرة البداية والنهاية الواضحة للمشاريع الوطنية مما يجعل الزمن السياسي دائرياً غير خطي . 2. أزمة اتخاذ القرار: ينعكس هذا التخبط في آلية اتخاذ القرارات الإدارية والسياسية حيث تُرصد قرارات تُتخذ ثم تُلغى ثم تُعاد وتُلغى في فترة وجيزة . 3. غياب الرشد الإداري: يعود الفشل في اتخاذ قرار رشيد إلى نقص المعلومات الدقيقة والتعجل وتأثير المصالح الضيقة مما يؤدي إلى تردد المسؤولين مستقبلاً خوفاً من الملابسات . إن هذا التردد الإداري والسياسي الذي يُشبّه بـ “ظل الضحى” في عدم ثباته يؤدي في النهاية إلى ضياع الحقوق وضياع الرؤي وضياع الدولة ومؤسساتها مما يفتح المجال للعصيان المدني والتمرد … وفي ظل هذه “السيولة” يصبح “الخيال السياسي” معطلاً حيث يكتفي الفاعلون السياسيون بإعادة إنتاج صراعات الماضي بلغة معاصرة . #- الخيال السياسي بين عجز النخبة وتوقعات الجمهور يُعرف الخيال السياسي بأنه الطاقة التي تمكن الإنسان من التمرد على واقعه والتحرك نحو آفاق جديدة لتحسين شروط الحياة العامة … في السودان يواجه هذا الخيال تحديات بنيوية كبرى فثورات الربيع العربي ومنها الثورة السودانية كشفت عن قصور في المخيلة السياسية العربية والسودانية على حد سواء والمشكلة في السودان ليست أزمة ثقة فحسب بين الثوار والجمهور بل هي “أزمة إحباط توقعات” حيث يعجز العقل السياسي عن تنمية خيال يتجاوز الشعارات الآنية إلى بناء مؤسسات راسخة وأحد أبرز مجالات هذا الصراع هو “الخيال السياسي للإسلاميين” الذين يواجهون مأزقاً في التوفيق بين مفهوم الدولة المدنية الحديثة والتصورات العقدية .. إن الصيغة الحالية للدولة كبنية حديثة تصطدم مع التقاليد المستقرة التي يحرص السياسيون على عدم المساس بها لكسب الأنصار مما يؤدي إلى تقديم “السياسة” على “التجديد” هذا التردد يحول دون بناء دولة المواطنة ويبقي الخيال السياسي محبوساً في “أطروحة الأصل والهوية” التي تعيد الصراعات دائماً إلى جذورها العرقية أو القبلية او الحزبية الضيقة . #- مقارنة بين الخيال السياسي التقليدي والخيال السياسي التحديثي في السودان : ملمح المقارنة بين الخيالين .. مصدر الشرعية ، العطاء المادي ، القبيلة ، القدسية ، الكفاءة ، البرنامج السياسي ، والمؤسسية – اللغة المستخدمة والأمثال الشعبية ، الرموز التقليدية ، والشعبوية ولغة المجاز السياسي الحديث ، التحليل ، والبيانات . – الرؤية للزمن (دائري) تكرار الماضي والاعتزاز بالأمجاد ، خطي (التخطيط للمستقبل والقطيعة مع التخلف) . – آلية حل النزاع التسويات العرفية والترضيات المالية والقانون ، والمؤسسات العدلية ، والحوار المدني . إن قصور الخيال السياسي السوداني يتجلى أيضاً في العجز عن إنتاج لغة جديدة تعبر عن الثورة فاللغة لا تعكس الواقع فحسب بل تشكله والأخطاء اللغوية في البيانات السياسية السودانية ليست مجرد هفوات بل هي تعبير عن “تشوش في الأفكار” وعدم استيعاب للقوة الناعمة التي تمثلها اللغة في صياغة الوجدان القومي . #- الرمزية والاستعارة في الخطاب السياسي الشعبي : تعد البلاغة السياسية في السودان حيزاً يلتقي فيه العلم والممارسة .. حيث تُستخدم الكلمات كأدوات لتسوية النزاعات بدلاً من العنف المادي لكنها في الوقت نفسه قد تُمتطى لتزييف الحقائق وتكريس الظلم .. الخطاب السياسي السوداني المعاصر هو خطاب فردي شفوي ، وجماهيري بامتياز ، تسيطر عليه ألسنة الأرياف والبوادي على حساب لغة النخبة المثقفة … هذا التحول اللغوي جعل من “المثل الشعبي” عنصراً مؤثراً وسلطوياً في الخطاب حيث يُستخدم كضابط اجتماعي وسياسي يمنح المتحدث سطوة معنوية . #- توظيف الأمثال والشعبوية: بعد ثورة ديسمبر 2018م وُظف المثل السوداني بكثافة في الخطاب السياسي من قبل السياسيين والإعلاميين والناشطين على حد سواء وهذا الطغيان للخطاب المثلي يعكس قبول الحس الشعبي لضرب الأمثال في الأزمات ولكنه يؤشر أيضاً إلى غلبة التفكير التقليدي .. وفي موازاة ذلك برزت الشعبوية كنمط خطاب يتفاعل مع عفوية الجمهور الغاضب مستخدمة إستراتيجيات مثل “الحرمان النسبي” لتقسيم المجتمع إلى “كتلة تحت” و”كتلة فوق” . – نشر الكراهية والعنف الرمزي: ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في إعلاء شأن القبيلة والجهوية مما أعاق التسويات السياسية الوطنية الغير منقوصة .. ورفع سقف التوقعات الفئوية مؤدياً إلى حالة من الهشاشة الأمنية والسيولة السياسية وكثُر استخدام العنف الرمزي مثل الكنس والمسح والبل . ضل الضحي نموزج تقليدي يقودنا بعمق للبحث عن هوية سودانية جديدة تتحرر من جماليات المجتمع العشائري القديم ومن سطوة البطان والرجالة . وضل الضحي هنا يرمز للفناء ، التقلب ، والزوال وهشاشة الأنظمة السياسية والقرارات الإدارية والراكوبة المأوى التقليدي ، البساطة ، والشفافية حيث فضاء التشاور الشعبي “ضل الضحى” السياسي الزائل . – تتميز الشخصية السودانية بتركيبة معقدة تجمع بين عدة هويات جغرافية ومؤثرات ثقافية والكرم وحسن الضيافة (الجود بالموجود) بالمقابل (الجود ما بالموجود ولكنه قطعا في الجلود) والكفاءة الإدارية والعسكرية العالية في دول المهجر ومع ذلك فإن هذه الشخصية تعاني من “تشرذم” داخلي ناتج عن الادعاءات المتضاربة حول الصفاء العرقي أو النسب النبوي وهي ادعاءات لا تسندها الحقيقة التاريخية للتصاهر والتزاوج الذي أنتج الهوية الافروعروبية الفريدة للسودان هذا التناقض بين “الذات المتخيلة” (بأمجادها وماضيها العريق) و”الواقع المعاش” (بفقره وتخلفه) يخلق حالة من القلق والشك والتردد تظهر بوضوح من حالة “شروع وحركة” دائمة دون الوصول إلى مرفأ استقرار وهو ما يفسر عدم قدرة النخبة على بناء عقد اجتماعي دائم … الهروب من النقد مع الميل لانتقاد الآخرين بشئ من الحساسية المفرطة تجاه أي نقد ذاتي ، مما يمنع تطوير السلوك السياسي وغياب اللغة الدبلوماسية وتلاشي مفردات “شكراً”، “عفواً”، و”أسف” من القاموس السياسي والاجتماعي لصالح الخشونة . لتصبح الحياة كلها حكي كفعل مقاومة وصناعة هوية يصنع منها عوالم سردية باهرة تهدف إلى تعزيز الثقافة والمثقفين … الشخصية السودانية لابد لها من توليد لغة قادرة علي استيعاب شهقة الثورة ودهشة الحلم … لغة توسع الأفق السياسي والا يظل “الحكي” في الفضاء العام السوداني مجرد “قيل وقال” يهدف إلى بث الذعر والذبذبة والإفك وزيادة حالة التوتر السياسي وإبعاد الناس عن القضايا الجوهرية .. إن مواجهة هذا الانحدار تتطلب بناء “مدينة بلاغة” سودانية جديدة ، تكون فيها الكلمة موضع السيف لتحقيق التصالح والتراضي وتوزيع الصلاحيات بالعدل . #- الختام: من الظل الزائل إلى الدولة الراسخة: إن الانتقال بالسودان من حالة “ضل الضحى” السياسية إلى مرحلة الدولة المؤسسية الراسخة يتطلب قطيعة مع “ثقافة التخلف” وإعادة بناء للخيال السياسي “ضل الضحى” سيبقى رمزاً يذكرنا بضرورة التواضع أمام الزمن ولكنه يجب ألا يكون عائقاً أمام التخطيط للمستقبل … إن قوة السودان تكمن في تباينه وتنوعه الثقافي وفي قدرة شعبه على “الجود” لا بالمال فحسب بل بالأفكار والحلول المبتكرة والواقع السياسي السوداني اليوم بوقوفه بين خيال الثوار المجهض وحكي السياسيين المتكرر يحتاج إلى لغة جديدة ومواقف صلبة تتجاوز الرمال المتحركة نحو أرضية وطنية صلبة تقوم على المؤسسية والعدالة والاعتراف المتبادل بعيداً عن تقلبات الظلال وزيف الأوهام … إن مستقبل السودان مرهون بقدرة أبناءه على تحويل “الحكي” من رثاء للماضي إلى وقود للتغيير ومن “خيال” عاجز إلى رؤية إستراتيجية تصنع وطناً يسع الجميع وطناً لا يزول بزوال ضل الضحي وبظهيرة متقلبة . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات ..لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . م.عبدالملك زكريا علي مايو ٢٠٢٦م شارك تصفّح المقالات البرهان أطباء اسهموا في دحر التمرد حرب بلا قانون ولا كرامة