بقلم: آدم الحاج عبدالله عبدالرحمن أديب

استهلال: عدالة النصوص أم واقع الممارسة؟

لطالما مثّل القضاء والنيابات في السودان، من حيث النصوص، صمام الأمان لحماية الحقوق وترسيخ سيادة حكم القانون. غير أن الواقع العملي يكشف عن فجوة متسعة بين المبادئ القانونية المقررة، وبين ممارسات تعكس اختلالًا في معايير الاستقلال والحياد والكفاءة الإجرائية، الأمر الذي أضعف ثقة المجتمع في مؤسسات العدالة، وأعاد طرح سؤال جوهري حول مدى قدرتها على أداء دورها كحَكَمٍ محايد.

 

أولًا: ملامح الاختلال البنيوي

لا يمكن فهم أزمة العدالة بمعزل عن السياق العام الذي أفرزها. فالتسييس، وضعف التأهيل المهني، وتداخل الصلاحيات، وغياب آليات رقابة فعّالة، كلها عوامل أسهمت في إنتاج واقع عدلي يعاني من الانتقائية أحيانًا، ومن العجز عن إنفاذ القانون أحيانًا أخرى. كما أن غياب التنسيق المؤسسي الرشيد بين مكونات المنظومة العدلية أضعف من كفاءة الإجراءات، وأفقدها الانسجام المطلوب لتحقيق العدالة الناجزة.

 

ثانيًا: من الإصلاح الجزئي إلى إعادة التأسيس

في ظل الدعوات المتصاعدة لإعادة بناء الأجهزة الأمنية من الصفر، يبرز تساؤل أكثر عمقًا: هل يمكن تحقيق الاستقرار دون إعادة تأسيس موازية لمنظومة العدالة؟

الإجابة تشير بوضوح إلى أن المعالجات الجزئية لم تعد كافية، إذ أن الخلل لم يعد سلوكيًا فحسب، بل أصبح بنيويًا ومتراكمًا. وكما أن الأجهزة الأمنية حين تنهار لا تُرمم جزئيًا بل يُعاد بناؤها وفق أسس جديدة، فإن القضاء والنيابات—بوصفهما الضامن الأعلى للحقوق—يحتاجان إلى مراجعة جذرية تشمل الهياكل والمعايير وآليات الاختيار والتأهيل.

ثالثًا: مقارنة ضرورية لا مفر منها

إن الدعوة إلى “تأسيس” الأجهزة الأمنية تعني الاعتراف بفشل النموذج القائم. وبذات المنطق، فإن استمرار الاعتماد على منظومة عدلية تعاني من اختلالات واضحة يطرح تناقضًا جوهريًا: كيف يمكن تحقيق الأمن دون عدالة مستقلة؟ وكيف يمكن بناء ثقة عامة دون قضاء نزيه ونيابة محايدة؟

هذه المقارنة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة عملية، لأن أي إصلاح أمني لا يوازيه إصلاح عدلي عميق سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في شكل أكثر تعقيدًا.

رابعًا: ملامح التأسيس المطلوب

إعادة تأسيس منظومة العدالة لا تعني الهدم، بل إعادة البناء وفق معايير واضحة، أبرزها: استقلال حقيقي عن التأثيرات السياسية، تأهيل مهني صارم، آليات رقابة ومساءلة فعالة، توحيد المرجعيات الإجرائية، وترسيخ ثقافة العدالة كقيمة جوهرية

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *