بقلم: نفيسة حجر في غمرة الحروب التي تمزق أوطاننا، يظن البعض أن السلاح يمنح حصانة من الحساب، وأن الانتصارات تبرر استباحة الحرمات. لكن التاريخ يثبت أن الظلم ظلمات، والسنن الكونية لا تحابي أحداً. ما جرى لأسرة “أبو عاقلة كيكل” حيث يُمحى منزلٌ عن آخره في “تصفية حساب” تحولت إلى مجزرة لا يعد حادثاً عابراً، بل هو تجسيد لسنن لا تعرف التمييز، فهي “تمهل ولا تهمل”. وكأن السهم الذي أُطلق نحو الآخرين، عاد ليخترق الصدور التي ظنت أنها محصنة. بالأمس، كان مقاتلو كيكل يبثون الرعب في “الكنابي” حيث تحول المكان إلى مسرح لإذلال الأمهات. وفي مشهد وثقه فيديو متداول، تُجرد “الحاجة مريومة” من كرامتها على يد عنصر يضربها ويأمر بامتهانها.. ومن “ود مدني” التي أبكت العالم، إلى “ود النورة” التي سُفكت فيها دماء أكثر من مائة مدني في يوم واحد؛ وجد القاتل والمحرض اليوم المصير نفسه. من استباح بيوت الآمنين، سُيستباح حماه. ليست هذه شماتة، بل هو درس قاسم من دروس مآلات الظلم؛ فاليد التي سكتت عن مذبحة “ود النورة” لا ينبغي أن تندهش إذا غدر بها “الحلفاء” في عقر دارها. المفارقة أن منزل “كيكل” لم يُقصف بطيران حربي تقليدي، بل بطيران مُسيّر ،تلك الأداة الصامتة التي لا تقل إجراماً عما يسميه البعض “صانع الكباب العظيم”. بل ربما تفوقه فتكاً بصمتها الذي لا ينذر ولا يحذر فهو دمار بلا طيار، وجريمة بلا شاهد، تحرق اللحم وتسوي المنازل بأهلها. إن الفجيعة الأخلاقية تكمن في جعل “المنزل” هدفاً عسكرياً. الأجدى للمقاتل أن ينأى بنفسه عن مآمن المدنيين فليس الصغار والأمهات والآباء العزل وقوداً للميليشيا أو دروعاً للجيش. إن الزج بالأطفال في أتون التصفيات هو مقامرة دموية تحول براءتهم إلى ثمن لخيارات الكبار. هذا الغدر البارد داخل الجدران هو ذات العبث الذي يستسهل حيوات السودانيين في كل مكان. وجع كيكل هو وجع “الضعين”؛ حيث قُتل العشرات بينهم أطفال في مستشفى، وهو ذات وجع “نيالا” و”شرق النيل” و”المجلد” و”أبو زبد” و”لقاوة” و”الفولة” و”كتم”. دم الطفل في “ود النورة” هو ذاته دم طفل كيكل، ودم ضحايا القصف في كل بقاع السودان. إن تجزئة الآلام سياسياً سقطة أخلاقية كبرى، فمن يراقب من فوق السماء، يمهل ولا يهمل. اخر قولي: الوجع واحد، والموت “ما فيهو فوت”. لن يبدأ السلام إلا إذا أدركنا أن حرمة الدم السوداني لا تقبل القسمة، وأنه لا يوجد انتصار زائف يستحق دمعة طفل واحد. شارك تصفّح المقالات دار إفتاء علماء السلطان بين القسوة والإنسانية: أين تقف القلوب في زمن الحروب؟