بقلم: آدم الحاج عبدالله أديب

​تُكشف معادن الشعوب وتُمتحن ضمائر الأمم حين تصمت لغة العقل وتتحدث فوهات البنادق. ولعل أدق ما يمكن أن يُستهل به هذا التحليل هو ما ورد في الجملة الافتتاحية لديباجة الميثاق التأسيسي لمنظمة “اليونسكو”: «إذا كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام». وفي السودان، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت انفجاراً لما وقر في العقول من تصدعات وجدانية، وسؤالاً حارقاً حول ماهية “الإنسانية” وتوزيعها الانتقائي بين الجغرافيا والأعراق.

​ازدواجية المعايير: هل للإنسانية ألوان؟

​تتجلى الفجوة الوجدانية في أبشع صورها حين نراقب ردود الفعل تجاه المآسي. بالعودة إلى ذاكرتي الشخصية في منطقة “القرير” بالشمال، حين كنت أشاهد التلفاز مع جاري وليد عوض؛ بكت المآقي لمشهد أطفال فلسطين النازحين، وهو شعور إنساني نبيل. لكن، في اللحظة ذاتها، حين عرضت الشاشة مأساة أطفال دارفور والذباب يغزو وجوههم من فرط البؤس، جاء التعليق من الحضور صادماً: “عاين شناتو!”.

​هنا يبرز السؤال الوجودي: هل الإنسانية صناعة مركزية تُمنح بناءً على لون البشرة؟ كيف انفصل الوجدان السوداني ليرى في طفل “الغرابة” كائناً خارج خانة التقدير البشري؟ هذه الحادثة كانت تشخيصاً لمرض “الانفصال الوجداني” الذي جعل الألم السوداني يُصنف درجات، وأثبتت أن “حصون السلام” لم تُبنَ بعد في تلك العقول.

​منبر المسجد ومحاكم التفتيش

​هذه الذهنية الإقصائية واجهتها شخصياً حين كنت إماماً لمسجد قبل خوض الحقل القانوني. انتقلت بأسرتي الصغيرة، لأتفاجأ بامرأة تسأل طفلتيّ (3 و4 سنوات): “انتن بنات منو؟”، وحين علمت أنهن بنات “الإمام”، قالت بدهشة: “تراكن عرب.. ما قالوا غرابة؟!”. لقد أدركت حينها أن “غرابي” في العقل الجمعي لم تكن جهة جغرافية، بل وصمة “عبودية” تُنقص من إنسانية البشر.

​ويمتد هذا العبث اليوم إلى ما يشبه “محاكم التفتيش”؛ حيث حُكم على زميل لي، وهو شيخ خلوة قرآن في الشمال لا صلة له بعسكرية أو سياسة، بالسجن عشرين عاماً بتهمة التعاون، لا لشيء إلا لأنه ينحدر من غرب السودان. هنا يصبح “العرق” و”السحنة” هما الدليل الجنائي الوحيد الذي قد يلقي بك خلف القضبان في زمن “قوانين الوجوه الغريبة”.

​تدمير الحياة: استباحة “الأعيان المدنية”

​عندما نرى ما حدث قبل أيام في شرق الجزيرة بقرية “الكاهلي”، من مقتل “عزام” وأسرته، نجد استنكاراً إعلامياً واسعاً، وهو واجب. ولكن، أين يختفي هذا الضمير حين تُباد معالم الحياة في بقاع السودان الأخرى؟ استهداف مستشفى الضعين، وقصف الأسواق، وتدمير المدارس، وضرب دوانكي المياه في الفاشر وكبكابية، يمثل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية. حين تُستهدف “الأعيان المدنية”، فهذه جريمة ضد الإنسانية، لكن “السيستم” الوجداني لا يزال يمارس تصنيفه البغيض؛ فيجعل فاجعة “المركز” قضية رأي عام، ويمرر سحق “الهامش” كأرقام باردة.

​نداء لأهل الفضل: حيّ على الوطن

​بالرغم من كل هذه القتامة، نحن لا نعمم؛ فالسودان يزخر بمواقف مشرقة تحسب لأهل الفضل من السودانيين الصادقين في توجههم الديني والوطني. هؤلاء هم حراس الضمير، ولكن صوت الأشرار قد طغى، وأبواق الإعلام من قبيلة “بل بس” ملأت الفضاء ضجيجاً. لذا، نناشد أصحاب الوجدان السليم: أعلوا أصواتكم لتؤذن في نوادي الأشرار وغرف أبواق الفتنة بنداء “حيّ على الوطن”. اضربوا طبول السلام ليعلو صوت العقل فوق ضجيج المدافع.

​نحو عبقرية سودانية: من رماد الإبادة إلى مراسي السلام

​نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى كتابة تاريخ معاصر بمداد الحكمة السودانية والرشد السياسي؛ تاريخ يكون إضافة مشرقة لمحيطنا الإقليمي، تماماً كما فعلت عبقرية نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، وبذات الإرادة التي مكنت رواندا من عبور وتجاوز العنف المسلح الذي خلف إبادة جماعية ودورة عنف لا مثيل لها.

لقد عبرت تلك الأمم سفنها وسط الرياح العاتية إلى مراسي السلام دون انفصال؛ ونحن أحوج ما نكون لتمثّل تلك النماذج، لنثبت للعالم أن الإرادة السودانية قادرة على وأد الفتنة وترميم الوجدان المشترك.

​الخاتمة:

إن تحديات الهوية وقبول الآخر أخطر من فوهات البنادق. إذا لم يتدارك السودانيون أنفسهم، سيصبحون بلا وطن. السلام المستدام لا تصنعه الرصاصات، بل تصنعه العدالة والحرية والحقوق المتساوية. يجب تجريم النعرات العنصرية بصرامة، فالحقوق المتساوية واحترام حرمة الدم السوداني أينما كان، هي المخرج الوحيد لإسكات صوت الرصاص وإرساء قواعد السلام المستدام.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *