بقلم:آدم الحاج عبدالله أديب استهلال: تحالفات الانكشاف في الجيوسياسية السودانية الراهنة، لا تُبنى التحالفات على الرؤى، بل على “الذعر المشترك”. ما تشهده بورتسودان اليوم هو تحالف قسري بين قوى متباينة، جمعها الخوف من السقوط أكثر مما جمعها مشروع وطني. لكن هذه الصيغة بدأت تتآكل تحت وطأة الضغوط الدولية، والتصنيفات الإرهابية، وبزوغ فاعلين جدد يقلبون طاولة التمثيل السياسي والميداني، ليصبح الجميع أمام استحقاق “طلاق الإكراه”. أولاً: كماشة “الشرعية” وفك الارتباط المرّ يجد الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه في مأزق تاريخي؛ فالمجتمع الدولي يضع “تطهير” السلطة من نفوذ الحركة الإسلامية شرطاً مسبقاً لأي اعتراف بالشرعية. هذا هو “السمّ الزعاف” الذي تتجرعه قيادة الجيش؛ فالإسلاميون يمثلون “العمود الفقري” الميداني عبر كتائب الاستنفار، والتخلص منهم يعني انكشافاً عسكرياً، بينما الإبقاء عليهم يعني انتحاراً دبلوماسياً وعزلة خانقة تجعل من بورتسودان مجرد “كانتون” معزول يطاردها وسم الإرهاب. ثانياً: وهم الاستقرار.. بروباغندا “العودة” تحت وطأة القصف تستند سلطة بورتسودان في محاولتها تسويق نفسها دولياً على “أمن افتراضي” تروج له عبر دعاية العودة الطوعية، كصك غفران شعبي وشرعية بديلة. لكن هذا الادعاء يصطدم بحقائق الواقع المريرة: تآكل هيبة المؤسسات: الضربات المركزة والموجعة التي استهدفت مؤسسات سيادية بالأمس، وعلى رأسها مطار الخرطوم، أكدت حقيقة مجردة؛ وهي أن الحكومة التي تعجز عن حماية مرافقها الاستراتيجية، هي بالضرورة أعجز عن توفير الأمن لمواطنها. الأمن الزائف: إن الترويج للاستقرار في ظل استمرار الحرب، وتردي الخدمات، وبروز مثلث (الجوع، المرض، والموت الجماعي)، يجعل من دعوات العودة الطوعية مجرد “أداة سياسية” تفتقر لأي سند واقعي أو أخلاقي. ثالثاً: الحركات النازحة vs قوى التأسيس (صراع الشرعية) تتجلى أزمة الحركات المسلحة (جبريل ومناوي) في كونها تحولت إلى “كيانات نازحة”؛ نزحت سياسياً وجغرافياً إلى بورتسودان، لتصبح مجرد “صدى” لسلطة البرهان. وفي مقابل هذا النزوح، تبرز حركات “التأسيس” (المنشقين) كقوة صاعدة من قلب الميدان، تخاطب الجماهير من واقع المعاناة، محققة اختراقاً في جدار الثقة عبر “منفستو” مطلبي يعيد تعريف قضية التهميش بعيداً عن “بيزنس السلطة”. رابعاً: مالك عقار.. خياران أحلاهما مُرّ تقف الحركة الشعبية (جناح عقار) اليوم أمام لحظة الحقيقة في ولاية النيل الأزرق. ومع تصاعد العمليات الميدانية، يجد عقار نفسه أمام خيارين وجوديين: إما التنسيق مع الحركة الشعبية (جناح الحلو) لحماية الإرث التاريخي للمنطقة، أو مواجهة الانهيار الجغرافي الذي سيحول حركته إلى “كيان بلا جغرافيا”، تماماً كما حدث للمشتركة في دارفور. خامساً: إعادة الهندسة والرهان الإيراني يأتي بروز النور أحمد آدم (القُبّة) كمؤشر على رغبة السلطة في سد فراغ التحالف المتآكل ببدائل أكثر مرونة. وفي الوقت ذاته، يمثل الارتماء في حضن المحور الإيراني مقامرة كبرى تحول ساحل البحر الأحمر إلى “بؤرة توتر عالمية”، مما يزيد من انسداد الأفق الدبلوماسي ويستدعي تدخلات دولية لقصقصة أجنحة هذا التمدد. خاتمة: إعادة تعريف لا إعادة استقرار إن ما يجري في بورتسودان ليس تثبيتاً للسلطة، بل هو “إعادة هيكلة للانهيار”. فاعلون يدخلون المشهد (القُبّة)، وآخرون يواجهون خطر التلاشي الجغرافي (عقار)، بينما تسحب حركات “التأسيس” البساط من تحت أقدام “الحركات النازحة”. الخلاصة: إن تحالفات الضرورة تنتهي بانتهاء وظيفتها. وبورتسودان اليوم تقف أمام خيار واحد: إما “طلاق الإكراه” الذي يطيح برموز المشهد الحالي، أو الانفجار الكامل الذي يعيد خلط الأوراق لصالح القوى التي تخاطب الجماهير من “أرض الواقع” لا من “فنادق النزوح السلطوي”. شارك تصفّح المقالات حيدر المكاشفي يكتب .. البرهان..(مستر نو)