الجميل الفاضل… يكتب ثمة بلاد لا تُقرأ بالسياسة وحدها، ولا تُفهم بالجغرافيا فحسب، ولا تُقاس أعمارها بالتقاويم السائدة. هي بلاد تُقرأ كما تُقرأ كتب قديمة سقطت منها بعض الصفحات، وبقي عطر السماء عالقاً بين سطورها. فالسودان، حتى بعد أن فقد جنوبه، ظل واحداً من تلك البلاد التي كلما ظنّ العالم أنها انتهت، خرجت من تحت الرماد وهي تحمل بين أصابعها جمرة الحقيقة، كما تُحملُ لفافةُ تبغ. كأن هذا البلد لم يُخلق ليعيش حياة عادية، إنما خُلِق ليكون ساحة صراع خفيّ بين الطين والنور، وبين التاريخ والمصير، وبين لعنة الجغرافيا ووعود السماء. ولذا لم يكن غريباً أن يُسمَّى السودان في وقت من الأوقات «رجل أفريقيا المريض»؛ فالأمم كالبشر، حين تقترب من قدرها العظيم تشتدّ عليها المحن، وكأن بلاءها هو طقس عبورها إلى مقام أعلى. لقد بدا السودان في عيون العالم دولة تتداعى أطرافها؛ حروبها تتناسل، ونخبها تتشاجر فوق جثتها، والمجاعات تخرج من أريافها القصية كأشباح تطارد الناس. حتى خُيّل لكثيرين أن وجود السودان بكل تناقضاته ومكوناته المتباينة في إطار دولة واحدة، يمثل خطراً جيوسياسياً كبيراً على المنطقة والعالم. لكن الذين ينظرون بعين البصيرة، لا بعين السياسة، كانوا يرونه شيئاً آخر؛ كانوا يرون وراء تعقيدات واقعه المتعددة سراً مكنوناً. يرون أن السودان ليس بلداً متأخراً عن العالم، بل مستودع يخبئ العالم في جيوبه، قبل أن يختبئ هو نفسه، على حد قول شاعرنا “ود المكي”: «كما تختبئ الصدفة في منعطف الطريق، والعسل البريء في الرحيق، وطائر الفينيق في الحريق.. وكما يختبئ الحريق في الشرر، والبستان في الوردة، والغابة في الشجر». ولهذا قال الشيخ العارف عبد العزيز الدباغ في «الإبريز»: «إن الولاية في أهل السودان كثيرة جداً، ولكنها مستورة بالبساطة وعدم التصنّع». ثم مضى في وصف أهل السودان إلى أبعد من ذلك، كأنه يقرأ من اللوح قائلاً: «طهَّر الله باطنهم بالمحن، وجعل سرَّهم مصوناً عن الأغيار». وكأن الدباغ كان يرى، منذ قرون، أن هذه الأرض التي أحرقتها الفواجع لم تكن تُعاقَب، بل كانت تُطهَّر بالنار. وللحقيقة، فإن بعض البلاد -ومن بينها السودان- لا تدخل التاريخ إلا بعد أن تمرَّ بأفران الألم. ولهذا، حين ننظر اليوم إلى العالم وهو يتشقق تحت أقدام إمبراطورياته الكبرى، نكتشف أن أفريقيا لم تعد هامشاً في كتاب هذا الكون، بل صارت المتن فيه. فأوروبا تشيخ روحيّاً، وأمريكا تنكفئ على نفسها، والشرق يعيد تشكيل خرائط قوته، بينما تخرج أفريقيا من ليلها الطويل كقارة تحمل مستقبل البشرية كلها على كتفيها العاريين. إذ بحلول منتصف هذا القرن، سيكون ربع البشر أفارقة، وسيصبح شباب هذه القارة الوقود البشري الأخير لعالم استنزفته الشيخوخة، كما ستتحول معادن أفريقيا المدفونة —من الكوبالت إلى الليثيوم— إلى شرايين ما يُعرف بـ “الاقتصاد الأخضر”. لكن الثروة الأعظم في أفريقيا ليست في باطن الأرض، إنما هي في باطن الإنسان الأفريقي نفسه: في صبره الطويل، في روحه التي لا تنكسر، وفي قدرته المدهشة على الرقص على جراحه الراعفة. وبالطبع فالأعظم من قدر الإنسان دائما هو الإنسان نفسه. ومن هنا بالضبط يعود السودان إلى المشهد، لا بوصفه دولة مأزومة، لكن بوصفه قلب السؤال الأفريقي الكبير. فالسودان ليس مجرد بلد أفريقي؛ إنه أصل البشرية وموطنها الأول، ودورق انصهار إثنياتها المختلفة: عرب وزنج، صحراء وغابة، نيل ورمل وبحر، ذكر ورقص وطبل. السودان أشبه بـ “عقدة الكون” الأفريقية، ولهذا ظلَّ عصيّاً على التعريف، وعصيّاً على السقوط النهائي. لقد لمح الشاعر والرئيس السنغالي “ليوبولد سيدار سنغور” إلى ما رآه تمزقاً في السودان حين قال عبارته الشهيرة: «كان بمقدور السودان والسودانيين أن يكونوا خير الأفارقة، لكنهم اختاروا أن يكونوا أسوأ العرب». وهو غافل عن أن “الأصل” لا يُصنَّف في أي خانة، ولا يُقاس بغيره، بل هو الذي يُقاس عليه. فلو أن السودان تصالح منذ وقت مبكر مع حقيقة كونه “المصدر” للجميع، لما صُنِّف ظُلماً —وبمعيارٍ مختل— عربيّاً أو أفريقيّاً؛ لأنه النبع الذي يغذي ولا يُعرف، يرفد القارة والعالم كله بشتي ألوان البشر. ولهذا لم يكن قول الأستاذ محمود محمد طه مجرد حماسة عاطفية حين قال: «أنا زعيم بأن الإسلام هو قبلة العالم منذ اليوم، وأن القرآن هو قانونه، وأن السودان —إذ يقدّم ذلك القانون في صورته العملية المحققة للتوفيق بين حاجة الجماعة إلى الأمن وحاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة— هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب. ولا يهولنَّ أحداً هذا القول لكون السودان جاهلاً خاملاً صغيراً، فإن عناية الله قد حفظت على أهله من أصائل الطباع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض بأسباب السماء». كان الرجل يتحدث عن السودان كأنه يرى فيه أكثر من دولة؛ ربما يرى فيه “مقاماً”. يراه أرضاً يمكن أن تلتقي فيها المادة بالروح، والحرية بالنظام، والسماء بالتاريخ. ولهذا فإن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد صراع على السلطة، إنه في جوهره العميق صراع على إعادة تعريف السودان ودوره من جديد: هل هو مجرد ساحة حرب منسية؟ أم أنه قلب أفريقيا الذي يُعاد تشكيله وسط العاصفة ليقود زمناً جديداً؟ في وقت يدخل فيه العالم ما يمكن تسميته بـ «عصر الشعوب»، العصر الذي تتراجع فيه احتكارات الإمبراطوريات القديمة لتصعد الكتل البشرية الكبرى من الجنوب العالمي، عصر لن تكون القوة فيه فقط لمن يملك السلاح، بل لمن يملك “شفرة الأصول البشرية”. فأفريقيا التي تملك ذاكرة مثقوبة بالاستعمار، تملك أيضاً قدرة فذة على النجاة، وروحاً جماعية ما تزال —رغم كل شيء— تحتفظ بشيء من فطرتها الأولى. بيد أن السودان يملك فوق ذلك كله شيئاً إضافيّاً: يملك القدرة على تحويل الألم إلى رؤية. فمن أرضه خرجت صيحة أربكت الإمبراطورية البريطانية، وأطربت الصين بمقتل سفاحها “غوردون”، وأبهجت أيرلندا بهزائم عدوها، وشعوباً أخرى عانت الأمرَّين من ويلات الاستعمار. ومن شوارع ديسمبر خرج شباب يواجهون الرصاص بالأغاني، كأن هذا الشعب كلما اقترب من الهاوية اكتشف داخله نبعاً خفيّاً للضوء. فالسودان ليس «رجل أفريقيا المريض» كما ظنه البعض، لكنه قلب هذه القارة الذي ظل يتحمل أوجاعها كلها، إلى أن اكتمل نزفه، فاستردَّ نبضه قبل أن ينهض. فإن نهض وهذا ليس ببعيد، لن ينهض وحده هذه المرة، بل ستنهض معه أفريقيا بأسرها في ثوبها الجديد. عندها فقط، سيكتشف العالم —متأخراً— أن هذه البلاد التي حسبها صفراً على الشمال كانت رقماً صعباً مختمراً في ليل المحنة، رقماً يأتي محمولاً على أجنحة القدر كهبة إلهية، ظلت تتهيأ منذ قرون لتلاوة ميلادها الثاني على العالم. عموماً، فإن أمر السودان كله عجب، مثله مثل “النموذج الخضري” في التصرفات التي تبدو كأنها تخالف العقل والمنطق الطبيعي، رغم أنها تجري في الحقيقة بأمر ربها إلى نهايات سعيدة تختلف عن ظاهرها المخيف. هنا تتساوق المنن في طي المحن، وتأتي المزايا في طي البلايا؛ ليصبح خرق سفينة “مساكين البحر” خيراً لهم من سلامتها، وقتل فلذة كبد “أبوين مؤمنين” رحمة بهما، وبناء جدار في “قرية البخلاء” فضلاً مستحقاً. لكن، كي نعرف السودان على حقيقته، يضع لنا الفيتوري خارطة طريق تقول: «لن تبصرنا بمآقٍ غير مآقينا.. لن تعرفنا ما لم نجذبك فتعرفنا وتكاشفنا.. أدنى ما فينا قد يعلونا يا ياقوت.. فكن الأدنى، تكن الأعلى فينا». شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تكتب: توتر متصاعد ضجيج المنصات وصمت السودان