عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب عندما ترتفع أصوات دعاة الحرب في السودان فاعلم أن شيئا ما بدأ يتغير داخل المشهد السياسي لأن التجربة السودانية أثبتت أن أكثر اللحظات ضجيجا تكون غالبا اللحظات التي تسبق التحولات الكبرى فالذي يشعر بالثبات لا يحتاج إلى الصراخ المستمر ولا إلى توزيع الاتهامات ولا إلى إشعال المنصات كل ليلة بخطابات التخوين والكراهية أما الذي يشعر بأن تأثيره بدأ يضعف فإنه يرفع صوته أكثر محاولا صناعة خوف جديد يعوض به تراجع النفوذ والسيطرة وخلال الفترة الأخيرة بدا واضحا أن خطاب دعاة الحرب في المنصات الإعلامية دخل مرحلة مختلفة تماما مرحلة يغلب عليها الارتباك والانفعال والتناقض بعد أن كان قائما على الثقة المطلقة واللغة الحادة قبل أسابيع كانت الأصوات نفسها تتحدث وكأنها تملك الحقيقة وحدها وتتعامل مع كل رأي مخالف باعتباره خيانة أما اليوم فقد تحولت المنصات إلى ساحات غضب وتبادل اتهامات وتشكيك بين الوجوه نفسها التي كانت تتحدث بصوت واحد وهذا التحول ليس أمرا عادي بل مؤشر سياسي مهم لأن الخطاب المرتبك يكشف دائما عن أزمة داخلية وفقدان تدريجي للقدرة على التأثير فالقوة الحقيقية لا تحتاج إلى هذا القدر من الضجيج بينما الخوف وحده هو الذي يدفع أصحابه إلى الصراخ المستمر كما أن الملاحظة الأكثر أهمية هي اختفاء بعض الوجوه التي كانت تتصدر حملات التحريض والتعبئة الإعلامية لفترات طويلة حيث أصبح صمت بعضهم أكثر دلالة من حديثهم السابق وتراجعت أسماء كانت تملأ الفضاء الإعلامي بالانفعال والتحريض بصورة مفاجئة وفي المقابل تحولت سهام التخوين من الخارج إلى الداخل وبدأت حملات التشهير والتشكيك تطال حتى شخصيات كانت حتى وقت قريب جزءا من الخطاب نفسه وهذا يكشف بوضوح أن حالة الانسجام القديمة داخل معسكر دعاة الحرب لم تعد كما كانت وأن حالة القلق بدأت تتسرب إلى داخل تلك الدوائر نفسها ومن هنا يمكن الوصول إلى استنتاجات مهمة أولها أن خطاب الحرب فقد كثيرا من تأثيره الشعبي لأن الناس بعد كل ما جرى لم تعد تستجيب بسهولة للغة الكراهية والانفعال بل أصبحت تبحث عن أي طريق يعيد الاستقرار ويوقف حالة الانهيار التي أصابت البلاد أما الحقيقة الثانية فهي أن الانقسام داخل الأصوات المحرضة أصبح أكثر وضوحا فحين تبدأ معارك التخوين الداخلي فهذا يعني أن التحالف الإعلامي والسياسي الذي كان قائما على خطاب واحد بدأ يتفكك وأن كل طرف يحاول النجاة بنفسه وإلقاء المسؤولية على الآخرين أما الحقيقة الثالثة فهي أن مساحة الحديث عن السلام بدأت تكبر ولو بصورة تدريجية لأن كثيرا من السودانيين أصبحوا أكثر وعيا بأن استمرار التحريض والكراهية لا يخدم الوطن بل يخدم فقط الذين يعيشون على بقاء الأزمة واستمرار الانقسام لقد اكتشف السودانيون بعد هذه المعاناة الطويلة أن أخطر ما واجه البلاد لم يكن اختلاف الناس فيما بينهم بل الأصوات التي استثمرت في الخوف والكراهية وحولت المنصات الإعلامية إلى أدوات لتمزيق المجتمع وإشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد ولهذا فإن الضجيج الحالي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره علامة قوة بل ربما يكون دليلا على اهتزاز المشروع نفسه لأن الأصوات التي تشعر بأنها تخسر تأثيرها تحاول دائما أن تتحدث بصوت أعلى حتى تخفي حجم القلق الذي تعيشه والسودان اليوم يقف أمام مرحلة مختلفة قد تحمل تغيرات سياسية ومراجعات واسعة وربما فرصا جديدة للخروج من حالة الانقسام لكن المؤكد أن غالبية السودانيين لم تعد تريد مزيدا من الكراهية ولا مزيدا من الأصوات التي تتاجر بخوف الناس وآلامهم فالسلام لا يبدأ من القاعات المغلقة وحدها بل يبدأ عندما يفقد خطاب التحريض قدرته على السيطرة على عقول الناس وعندما يدرك المجتمع أن الوطن أكبر من الأصوات الغاضبة وأكبر من الذين يحاولون جر البلاد إلى مزيد من الانقسام ولهذا عندما تسمع ضجيج دعاة الحرب في المنصات لا تنظر إليه بخوف بل افهمه باعتباره علامة على أن السودان بدأ يتعب من الكراهية وأن الناس أصبحوا أقرب إلى صوت العقل من أي وقت مضى فالسودان لن يبنيه أصحاب الصراخ العالي ولا تجار الانقسام بل سيبنيه الذين آمنوا بأن الوطن لا يعيش بالكراهية وأن المستقبل لا يصنعه التحريض بل يصنعه الوعي والسلام ووحدة الناس نواصل بمشيئة الله بتاريخ ١٤ /مايو /2026 شارك تصفّح المقالات السودان.. من «رجل أفريقيا المريض» إلى قلب القارة النابض؟!