م. عبدالملك زكريا

 يستوجب تشريح المشهد السوداني الراهن في سياق قضايا التنوير المعرفي مقاربة نقدية شاملة تتجاوز الوصف السطحي للأحداث السياسية لتغوص في البنى الفكرية العميقة التي شكلت الوجدان والوعي الجمعي .. إن الجدلية القائمة بين الفكر والسياسة في السودان ليست وليدة اللحظة بل هي نتاج تراكمات تاريخية وصراعات بين قوى الاستنارة التي سعت لتأسيس دولة المواطنة والحرية وقوى التقليد والجمود التي عملت على توظيف المقدس والموروث للحفاظ على امتيازات سلطوية وامتيازات طبقية وطائفية … يبرز التنوير في هذا السياق كعملية تحررية تهدف إلى إخراج الإنسان السوداني من وضع التابع والوصاية إلى وضع الكائن المستقل والمفكر “كن شجاعاً في استخدام عقلك” إلا أن هذا المسار اصطدم بما يمكن تسميته بـ “الاستعصاء التنويري” حيث عجزت النخب المتعاقبة عن تحويل الومضات الفكرية إلى مشروع وطني مستدام مما أدى إلى حلقة مفرغة من “إدمان الفشل” السياسي والمعرفي .

#- عصر الارتقاء المعرفي : إن رحلة التنوير في السودان تمتد جذورها إلى تشكلات اجتماعية وفكرية معقدة ففي القرن الثامن عشر الذي يُوصف بـ “عصر الفقهاء” مثّل شيوخ التصوف والعلماء الطليعة المثقفة التي استطاعت أن تنتزع اعترافاً بدورها الفاعل في المجتمع بل وفرضت نفوذها على السلطة السياسية آنذاك مع الحفاظ على مسافة نقدية مكنتها من قيادة المجتمع بصورة مستقلة ومع دخول الحقبة الاستعمارية شهد السودان تحولاً في بنية التعليم حيث أسس المستعمر مؤسسات تعليمية خرجت جيل “الأفندية”، إلا أن هذا الجيل تعرض لنقد لاذع من قبل المفكرين المعاصرين إذ يُرى أنهم اكتفوا بـ “قشور الحضارة الغربية” المظهرية دون استيعاب الأسس العميقة لبناء الدولة الحديثة وإدارة التباين والتنوع والاستفادة من التنوير المعرفي في توجية ممسكات التطوير ..

حيث تفاعلت هذه القوى الحديثة مع حركة النهضة في مصر والشام ونقلت الأفكار التنويرية عبر الرواد مثل رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وحسن البنا وطه حسين لتجد صداها في السودان عبر جمعيات القراءة ومجلة الفجر والرسائل القصيرة في الثلاثينيات والاربعينيات .. كانت هذه الجمعيات تمثل النواة الأولى للحراك المعرفي المستقل حيث حاول بعض المثقفون تقديم قراءات نقدية للواقع السوداني يتجاوز الطرح الطائفي والتقليدي السائد ومع ذلك بقيت هذه الجهود محصورة في النطاق النخبي ( مركز الخاتم عدلان ومركز التنوير المعرفي حديثاً) ولم تنجح في خلق قاعدة جماهيرية عريضة تتفاعل وتحمي المكتسبات الديمقراطية لاحقاً .

#- محطات التحول المعرفي والسياسي في السودان : * القرن الثامن عشر عصر الفقهاء والتصوف والشيوخ والعلماء (الفقرا) وتماسك النسيج الاجتماعي تحت السلطة الروحية . * فترة الاستعمار ونشوء طبقة الخريجين (الأفندية) ومؤتمر الخريجين وجمعيات القراءة وبزوغ فكرة الدولة الوطنية والمطالبة بالاستقلال . * عهد الاستقلال الأول الليبرالية الهشة والصراع الطائفي .. الأحزاب التقليدية (الأمة والاتحادي) وتجربة برلمانية قصيرة انتهت بالانقلاب . * ثورة أكتوبر والانفجار الثقافي واليساري .. جبهة الهيئات والنقابات والمثقفين وإسقاط نظام عبود وترسيخ وصعود دور المثقف والاخوان المسلمون في الشارع . * حقبة مايو والتأرجح بين اليسار والقومية العربية واليمن الاسلامي . * حقبة “الإنقاذ” الأيديولوجية الاسلامية الشمولية العسكرية (الجبهة الاسلامية) وتفكيك المؤسسات المدنية . * ثورة ديسمبر والوعي الشبابي والتحول الرقمي ولجان المقاومة وتجمع المهنيين وإسقاط البشير وصعود خطاب المواطنة والهامش والتنوع والهوية .. كل هذه المحطات السياسية التي استلمت زمام الأمور بعد الاستقلال بما فيها المحطات الديموقراطية القصيرة كانت تعاني من قصور في الرؤية الاستراتيجية وعجز عن استيعاب التنوع والتباين العرقي والثقافي والديني للبلاد … فقط كانت عينها علي “الاستلاب الثقافي” والقمع السياسي والاقصاء بدلاً من معالجة وإدارة التباين وقضايا الحرية والتنوع والمواطنة والعدالة الاجتماعية والهوية والحداثة والاستنارة . * المخرج المقترح هو مبدئية دولة مدنية تعترف بالتعدد وانبعاث روحي ومعرفي وانفتاح فكري واسع وتنوير منفتح كوني وإعادة اكتشاف الهوية السودانية الجامعة المتجاوزة للعرق والجهة . #- لابد من الاعتراف بأن (المؤسسة الدينية) التقليدية والحديثة كمعوق للتنوير المعرفي حيث تمثل العلاقة بين الدين والدولة في السودان حجر العثرة الأكبر أمام أي مشروع تنويري حقيقي وهناك من الاليات الحديثة التي يمكن عبرها حسم الجدلية القائمة الان ( الدين والسياسة) وهي آلية الاستفتاء الشعبي بدلا من العملية الطويلة والمعقدة المتهمة بتوظيف الدين سياسياً والتي بدأت بالقوى الطائفية (الأنصار والختمية) وانتهت بسيطرة الإسلاميين (الإخوان المسلمون) هذه العملية لم تهدف إلى إصلاح ديني حسب الاعتقاد السائد بل كانت وسيلة لتهميش المكونات غير المسلمة وتصنيفهم كمواطنين من الدرجة الثانية مما أدى إلى وأد فكرة الدولة الوطنية الموحدة وتعجيل تفكك السودان . إن المعضلة التنويرية هنا تكمن في أن رجال الدين في السودان باشروا السلطة مباشرة مما أدى إلى دمج السلطة الزمنية والدينية في يد الإمام أو الأمير هذا الاندماج جعل من نقد السلطة خروجاً على الدين ومن المطالبة بالحقوق المدنية ردة لذلك فإن أي حركة تنويرية سودانية مطالبة بمهام شاقة تشمل:

1. تحرير المؤسسات الدينية من التوظيف السياسي لصالح مقاصد الدين .

2. تخليص المؤسسات السياسية من استغلال الأديان لخدمة مصالح فئات بعينها .

3. بناء جدار فاصل بين المقدس المتجاوز للزمان والسياسي المتغير والمرتبط بالمصلحة(جامعة الخرطوم) … حيث “الاستعصاء التنويري” مخرجات المؤسسات التعليمية العالية والأحزاب الكبيرة رغم ثقلها الانتخابي ظلت أسيرة للثقل الطائفي والذي أعاق إنضاج الرصيد الاستناري بينما تحولت الأحزاب الحديثة (ماركسية ، قومية ، إسلامية) إلى كيانات شمولية في جوهرها تتنافى مع الديمقراطية الليبرالية .

#- ثورة ديسمبر والتحول الرقمي.. آفاق التنوير في عصر المنصات .. مثلت ثورة ديسمبر 2018م لحظة تاريخية فارق حيث خرجت أجيال جديدة من الشباب السوداني الذي لم يتلوث بصراعات النخب القديمة مطالبة بـ “الحرية، السلام، والعدالة” وفي هذه الثورة لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً لم يقتصر على الحشد السياسي بل امتد ليشمل تشكيل وعي جديد يتجاوز الخطاب الرسمي للدولة ولقد استطاعت هذه المنصات إبراز وجوه جديدة للمعارضة وقدمت محتوى فكرياً بديلًا ساهم في إقناع الشارع بحتمية التغيير (حرية ، سلام ، عدالة) .. ومع ذلك فإن هذا الفضاء الرقمي تحول أيضاً إلى ساحة لصراع الأجندات حيث تم استخدامه لنشر “الخطاب الشعبوي” الذي يغذي الكراهية القبلية والجهوية وأظهرت الدراسات الميدانية أن هناك علاقة طردية بين ضعف محتوى وسائل الإعلام الرسمية وتنامي الخطاب الشعبوي علىالمنصات الرقمية .. حيث يتم استغلال الفراغ المؤسساتي لنشر أخبار كاذبة وتشويه الخصوم السياسيين كما تعرض المشهد الرقمي السوداني لتدخلات خارجية منظمة حيث رصدت تقارير دولية شبكات نشر مرتبطة بجهات أجنبية (مثل مصر) سعت للتأثير على الرأي العام السوداني من خلال بث أخبار موجهة وانتقادات للسلطة التنفيذية آنذاك أو تعزيز مواقف سياسية معينة لخدمة مصلحة تلك الدولة .

#- تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي على الحراك التنويري والسياسي (التعبئة السياسية والفيديوهات الحية وغرف الدردشة والتنسيقيات ونجاح الحراك في إسقاط النظام الشمولي) اتسم بنشر الوعي وأركان النقاش الرقمية وتوزيع الكتب إلكترونياً وتجاوز الرقابة الأمنية على المطبوعات والتشويه الإلكتروني والحسابات المزيفة ولجان إلكترونية (بوتات) وتشتيت الرأي العام وضعف الثقة في المؤسسات والخطاب الشعبوي وإعلاء شأن القبيلة ورسائل الكراهية العرقية وإضعاف اللحمة الوطنية وتعويق التحول الديمقراطي ودعم الهويات المهمشة “الأنا” الافتراضية والتعبير عن التعدد الثقافي وكسر احتكار المركز للخطاب الثقافي .

#- حرب 2023م .. الزلزال الذي هدم البنيان المعرفي والفرصة التاريخية جاءت حرب أبريل 2023 لتضع السودان أمام اختبار وجودي غير مسبوق .. إن هذه الحرب لم تكن مجرد صراع على السلطة بين جنرالين كما هو معلوم بل كانت انفجاراً لكل التناقضات التاريخية التي عجزت النخبة السودانية عن حلها منذ الاستقلال .. لقد تعرضت المؤسسات التعليمية والمكتبات ومراكز البحث للتدمير مما يمثل نكبة معرفية ستعاني منها البلاد لعقود ومع ذلك يمكن لهذه الكارثة ان تحمل في طياتها فرصة العودة لمنصة التأسيس والبديات رغم هجرة الملايين راس المال العقلي بالخارج او في مخيمات النزوح الداخلي إن عودة هؤلاء المهاجرين واللاجئين والنازحين واستثمار خبراتهم في بناء نظام تعليمي ومعرفي جديد هو الرهان الحقيقي لمستقبل البلاد . #- الإصلاح بعد الحرب لابد من : ١- الإصلاح السياسي: بناء دولة المؤسسات عبر دستور دائم ومؤتمر دستوري قومي شامل . ٢- الإصلاح المعرفي: إعادة صياغة الهوية الوطنية في المناهج التعليمية وتطوير الإعلام ليعبر عن التعدد اللغوي والثقافي . ٣- الهيكلة المجتمعية: تنظيم المجتمع من القاعدة (نظام الركيزة) لضمان التمثيل الحقيقي ومنع تهميش الأطراف . ٤-القوة الناعمة: تفعيل الثقافة كمورد اقتصادي وتوثيق التراث السوداني رقمياً لحمايته من الاندثار .

#- الإصلاح الديني والمعرفي وضرورة تنقية التراث .. إذ لا يمكن للتحول الديمقراطي في السودان أن ينجح دون ثورة حقيقية صادقة في المفاهيم والمقاصد الدينية والفقهية .. إن الحركات الاصلاحية التنويرية الدينية مطالبة بإيجاد إصلاح يُخلص الدعوة من مظاهر الجهل والجمود وسُكر العاطفة وينفتح على الآخر وفق ضوابط مقاصدية وإنسانية وكونية وهذا الإصلاح يتطلب آليات عملية تشمل:

* مراجعة القواعد الفقهية التي أدخلها علماء السلاطين لشرعنة الاستبداد . * تحرير مؤسسات الوقف وإحياؤها لتكون رافداً للتعليم والبحث العلمي المستقل والرفاه المعرفي .

* الانفتاح على الفلسفات والديانات الأخرى في حوار علمي جاد لإثبات قدرة الفكر الإسلامي على التفاعل الإيجابي مع الإرث الإنساني الشامل .

* التركيز على الفقه المقارن ودراسة مآخذ الأئمة بدلاً من التقليد الأعمى للمذاهب لتخريج فقهاء مجتهدين يملكون الملكة العلمية لربط الدين بالحياة الحديثة .

#- استشراف مستقبل المشهد السوداني.. بين الأزمة والنهضة

إن قراءة المشهد السوداني بعين التنوير المعرفي تقودنا إلى استنتاج أن “الأزمة السودانية” هي في جوهرها أزمة وعي وفشل في إدارة المعرفة لقد سقطت الأيديولوجيات الشمولية (اليسارية واليمينية) في فخ الإقصاء بينما ظلت القوى التقليدية عاجزة عن التطور … إن المخرج يكمن في خلق كتلة حداثية تضم المثقفين المستنيرين وقوى السودان الحية والشباب الفاعل رقمياً لحماية مكتسبات الثورات وتطويرها ويتطلب المستقبل السوداني شجاعة في مواجهة مصادر العنف في الثقافة والسياسة ونقداً لا يرحم لـصدأ الفكر السياسي الذي أصاب النخب .. إن الرهان هو على قدرة العقل السوداني على فك التشفير بين الدين والسلطة وبين القبيلة والدولة لبناء وطن يسع الجميع حيث يكون التنوير هو المصباح الذي يضيء عتمة الحروب والتمزق .

في نهاية المطاف يبقى التنوير في السودان عملية بطيئة ولكنها حتمية . فالثورات رغم انتكاساتها العسكرية قد فعلت فعلها في معدن الإنسان السوداني وأزالت عنه صدأ التبعية .. إن الطريق إلى السودان العظيم يمر عبر قاعات الدرس ومنصات الحوار ومراجعة الذات قبل أن يمر عبر صناديق الاقتراع أو فوهات البنادق وإن مسؤولية المثقف السوداني اليوم هي تحويل الهراء السياسي إلى معنى إنساني و الشك في المستقبل إلى يقين له القدرة على التغيير مستفيداً من دروس الماضي وآفاق العصر الرقمي المتجدد .

#- الخلاصة : إن قضايا التنوير المعرفي في السودان ليست مجرد سجالات فكرية بل هي صمام الأمان الوحيد لمنع تكرار المآسي الوطنية فبدون استنارة حقيقية ستبقى الحرية والديمقراطية جسداً بلا روح وستظل الدولة عرضة للتمزق والارتهان للخارج .. والتنوير هو فعل مقاومة يومي يبدأ من الأسرة ويمتد إلى “الركيزة” السياسية لضمان أن يكون السودان في نهاية المطاف وطناً يحكمه العقل لا الهوى والشرعية لا القوة .

 

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب .

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب .

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب .

 

مايو ٢٠٢٦م

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *