م. عبدالملك زكريا علي. .يكتب

 

تواجه الدولة الوطنية منذ منتصف أبريل 2023م أزمة بنيوية متسارعة تجاوزت حدود النزاع العسكري لتصل إلى طور التفتت الهيكلي الشامل ويمتد هذا التفتت ليضرب ركيزتين أساسيتين من ركائز السيادة الوطنية: أولهما نموذج القيادة والسيطرة الذي يضمن احتكار الاداء المادي التنفيذي السياسي والقرار الإداري من مركز موحد وثانيهما احتكار الرواية الرسمية وصياغة الوعي الجمعي في الفضاء الاعلامي العام وتكشف القراءة الواقعية الجيوسياسية للمشهد الممتد من منتصف ابريل 2023م حتى هذا العام 2026م عن تداخل معقد بين تآكل المؤسسة العسكرية وتشظي النخب المدنية وهندسة الفضاء الرقمي البديل مما يضع كيان الدولة أمام سيناريوهات قاتمة تعيد صياغة جغرافيتها الجيوسياسية وتماسكها الاجتماعي وهندسة مستقبلها . ١- التآكل الهيكلي والعملياتي لنموذج القيادة والسيطرة: يرتبط مفهوم القيادة والسيطرة بالقدرة على إملاء القرارات وتوجيه العمليات العسكرية والإدارية التنفيذية بفاعلية وتنسيق راسي وافقي وفي حالتنا الراهنة يعاني هذا النموذج من تآكل مزدوج يضرب طرفي الصراع في مقتل وإن اختلفت مظاهره وآلياته وتموضعاته البنيوية الهشة اصلا … بداية من فض اعتصام القيادة العامة كشاهد تأريخي وشرخ بنيوي لم تكن الحرب الحالية وليدة الصدفة بل مثلت انفجاراً لشرخ بنيوي تشكلت معالمه في يونيو 2019م حيث مجزرة فض اعتصام القيادة العامة التي نفذتها قوات عسكرية تنظيمية وكتائب ظل تنظيمية وقوات أمنية تنظيمية وقوات مشتركة .. كان فض الاعتصام المحطة المفصلية التي رسخت مفهوم التآكل وثقافة الإفلات من العقاب وأضعفت مسارات العدالة الانتقالية والمحاسبة وحينها اعتقد المجلس العسكري الانتقالي ومن وراءه القوي السياسية التنظيمية أن تفكيك الاعتصام بالقوة سيجرد قوى الحرية والتغيير التي كان يفترض ان تكون القوي المدنية البديل السياسي لسد فراغ السلطة السياسية والتنفيذية كقوي حية قادت التغيير بمكوناتها يجردها من أداة الضغط الرئيسية (الاعتصام) ويُسهل إملاء شروطه لإدارة المرحلة الانتقالية لا إعادة المسار الي وضعه الطبيعي لتحقيق غاياته وبالطبع كانت الادانة من الاتحاد الأفريقي والامم المتحدة والمجتمع الدولي والتي شكلت ضربة قوية لشرعية المجلس فاقد الشرعية والذي كان يسعي ليكون البديل السياسي التنفيذي .. (حق من لا يستحق) .. ولاحقا انتهج العرقلة المنهجية للتحقيقات الوطنية وأعاق كشف الحقيقة وهذا الفشل المؤسسي في تحقيق العدالة أعاد إنتاج أنماط العنف والتنكيل ذاتها والتي تتجلى اليوم بشكل كارثي في الحرب الشاملة هذه … ورسخ لمفاهيم تقويض العدالة والافلات من العقاب وغياب العقيدة الوطنية الموحدة (الانقسام) وإستخدام ادوات الاكراه واكد بانها سلوك عسكري بإمتياز . ٢-التصدعات في تحالف حلفاء الجيش (كسلطة) يواجه تحديات بنيوية ترتبط بتعدد مراكز القرار وتعارض الأجندات ويُثبت الواقع الميداني أن رهان الحركة الإسلامية وليس الجيش على استخدام لافتات الحركات المسلحة كغطاء سياسي وعسكري للاستمرار في الحرب بدأ يتآكل بوضوح .. ويبرز هذا التشظي مع رغبة فصائل ميدانية لها وزنها عسكرياً وسياسيا (مثل حركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وكذلك الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار) في البحث عن تسوية سياسية شاملة (التطورات الميدانية علي جبهة النيل الازرق واستهداف الطيران للمدنيين بدارفور) تنهي الكارثة الإنسانية وتنقذ السودان من الانهيار الكامل وهو ما يتصادم مع الرؤى الصفرية لبعض الأطراف المتشددة داخل منظومة القيادة العسكرية للجيش والحركة الاسلامية كرتي . ٣- الانشطار الإداري الفعلي وظاهرة السيادة المزدوجة: تجاوز تآكل السيطرة الميدانية الجوانب العسكرية ليتحول إلى انقسام مؤسسي وإداري يهدد وحدة الدولة الجغرافية والقانونية واضعاً البلاد أمام واقع شبيه بالمتلازمة الليبية من حيث تعدد الحكومات وتناحر الشرعيات .. وكنموذج تاسيس للإنفصال الفعلي ملف امتحانات الشهادة الثانوية للعام 2026م كأحد أخطر تجليات تفتت مركز القرار السيادي فقد قامت حكومة السلام والوحدة في مناطق سيطرتها وبعد فشك كل المبادرات التي نادت بإنعقاد امتحانات موحدة لكل طلاب السودان بمساعدة اممية واقليمية حفظا لحقهم في التعليم والامتحان الموحد والتي استجابت لها وتعنتت سلطة الامر الواقع في بورتسودان بالامتناع عن الرد ولاذت بالصمت المؤكد للرفض المؤسس للانفصال .. قامت حكومة السلام والوحدة بعقد الامتحانات في مناطق سيطرتها … وهذا التشظي برفض حق من الحقوق الاساسية (التعليم) هو مسئولية حكومة الامر الواقع في بورتسودان حتى وإن لم يعلن الأمر رسمياً في المحافل الدولية . ٤- المقارنة الهيكلية لنموذج السيادة والتحول الإداري: #- توضح النقاط أدناه بعض من ملامح التحول الهيكلي العميق الذي طرأ على نموذج السيادة والسيطرة ومؤسسات الدولة الرسمية في السودان بين فترتين تاريخيتين حاسمتين (قبل حرب أبريل 2023م وبعدها): أ- البعد السيادي والإداري حيث النموذج المركزي الموحد (ما قبل أبريل 2023م) . ب- وواقع التفتت والسيادة المزدوجة (2025 – 2026م) والأثر الاستراتيجي على تماسك كيان الدولة . #- انهيار احتكار الرواية الرسمية وهندسة الفضاء الرقمي البديل: تزامن انهيار نموذج القيادة العسكرية مع سقوط تام لاحتكار الدولة التاريخي للرواية الرسمية فقد تحول الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي من وسيلة تواصل إلى ساحة حرب معنوية ونفسية تديرها كتائب إلكترونية متخصصة وتوظف فيها أحدث أدوات التضليل الرقمي وتفتت الرواية الرسمية للدولة . #- تراجع الإعلام التقليدي وصعود فوضى الفضاء الرقمي حيث تتزامن هذه الحرب الرقمية مع أزمة حادة يعيشها قطاع الإعلام والصحافة التقليدية في السودان وقد تسبب غياب الفهم الصحيح للممارسة الصحفية وعدم احترام أخلاقيات المهنة وغياب القوانين التي تضبط الإعلام الرقمي في خلق فراغ مهني شاسع وأدى هذا الفراغ إلى تصدر صناع التفاهة والمنشورات المفبركة والمقاطع المصنعة بتقنيات التزييف العميق على منصات ومواقع التواصل الاجتماعي وبدلاً من تزويد المواطن بالحقائق أصبحت هذه المنصات الرقمية غير الخاضعة للرقابة أداة لتقويض السلم الاجتماعي وتدمير النسيج الثقافي والمجتمعي وشرعنة العنف والخطاب الإقصائي المتطرف ومن نماذج توظيف السرديات في الفضاء السياسي والشبابي لتزييف الواقع وتوجيه الفواعل السياسية والشبابية ومن أبرزها : – سردية مقتل قائد الدعم السريع (حميدتي) شاعت هذه الرواية واستمرت لعامين وجرى تناولها بكثافة من قبل قنوات ووسائل إعلام كبرى ورغم افتقارها للمصداقية العملية فإنها أقنعت مئات الآلاف بحتمية موته وحتمية الانتصار العسكري القريب بناءً على سردية تبسيطية وصناعة وعي زائف بالواقع الميداني . – سردية الحركة الإسلامية (كرتي) واستمرارية الحرب: نجاح زائف لمعسكر الحركة الإسلامية في التخطيط لاستمرار حربه التي اشعلها وضخ سرديات كذب مكثفة اغرقت الفضاء العام بضرورة مواصلة القتال حتى النهاية (حرب الكرامة وقتال الفئة الباغية) مما أجهض محاولات التهدئة المبكرة وكبد البلاد خسائر فادحة في الارواح والبنية التحتية وما يزال . ٥- السيناريوهات المستقبلية وموازين القوة الدولية والإقليمية: يتحكم في صياغة مستقبل الدولة السودانية صراع ثلاثي الأبعاد تتداخل فيه المصالح الجيوسياسية الإقليمية والسرديات الإعلامية الموجهة والتحولات الميدانية العسكرية على الأرض مثلا السيناريوهات الجيوسياسية لمستقبل السودان … – سيناريو الصوملة (الانهيار الشامل وحروب الموارد الطرفية) غياب الحسم وتآكل السيطرة وتشرذم القبائل عبر الحدود والانهيار الشامل وحرب العصابات . – سيناريو ليبيا (حكومتان موازيتان والتقسيم … دي فاكتو) ومأسسة الانقسام (بورتسودان ضد نيالا) . – سيناريو الحسم العسكري (إعادة إرساء سلطة المركز الموحد) استعادة الجيش للمبادرة وفك الحصار وإنهاء الدعم السريع والعكس استلام الدعم السريع وتحالف تأسيس للسلطة واستعادة السيطرة وانهاء الجيش . ٦- ولتفادي هذه السناريوهات وإعادة توحيد لحمة الوطن وتثبيت ممسكات السلطة المركزية المنفتحة المتطلعة للتطور والانعتاق المستمسكة بالخيارين المدني الديموقراطي واللامركزية الحقة لابد في هذا إجمالا تضييق الخناق على الطريفين وخاصة طرف سلطة الحركة الاسلامية والجيش المراوغة المتعددة مراكز القرار والاستفادة من الضغوط والإدانات الدولية لتمهد الطريق لإعادة إطلاق عملية سياسية تؤسس لتحول ديمقراطي حقيقي تحت قيادة دولة وطنية موحدة وذات سيادة شاملة تحترم الحقوق الاساسية للمواطن .

وللكعبة رب يحميها

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب .

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب .

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *