عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان…يكتب

ليست مجرد عبارة عابرة تقال في لحظة غضب بل هي وصف موجع لواقع يعيشه ملايين السودانيين كل يوم وهي جملة تختصر المسافة الشاسعة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون سوى الصبر وبين من يصنعون القرارات من خلف الجدران العالية ومن يدفعون ثمن تلك القرارات من دمائهم ومستقبل اطفالهم

في السودان اليوم لا يحتاج الانسان إلى كثير من الوقت حتى يرى حجم المأساة يكفي أن ينظر إلى وجه أم نزحت من بيتها وهي تحمل طفلها الجائع أو إلى شيخ فقد دواءه أو إلى طالب ضاعت سنوات عمره بين الحرب والنزوح والخوف حتى يدرك أن الوطن لم يعد يتساوى فيه الجميع كما ينبغي

هناك ملايين من السودانيين يعيشون أياما لا تشبه الحياة الجوع يطاردهم في الصباح والخوف يرافقهم في المساء والمجهول ينتظرهم عند كل منعطف لم يعد السؤال ماذا سنأكل غدا بل أصبح هل سنجد ما يبقينا أحياء حتى الغد

في معسكرات النزوح وفي أطراف المدن وفي القرى المنسية يجلس أطفال لم يرتكبوا ذنبا سوى أنهم ولدوا في زمن الحرب ينظرون إلى العالم بعيون أنهكها الحرمان بعضهم فقد بيته وبعضهم فقد والده وبعضهم فقد مستقبله قبل أن يبدأه أصلا

لم يعد الفقر مجرد قلة مال بل أصبح حالة كاملة من العجز والخذلان والعذاب أصبح الفقير عاجزا عن إطعام أسرته وعاجزا عن علاج أطفاله وعاجزا عن تعليمهم وعاجزا حتى عن حماية ذكرياته التي تركها خلفه عندما أجبر على الهروب من منزله

هناك من ناموا تحت أسقف من الإسمنت وتحولوا إلى النوم تحت أغطية من النايلون وهناك من كانوا يحلمون بمستقبل أفضل فأصبح أقصى أحلامهم الحصول على وجبة واحدة أو جرعة دواء أو مكان آمن يقضون فيه الليل

وفي الوقت الذي يعيش فيه ملايين السودانيين هذه المأساة القاسية هناك فئة أخرى تبدو وكأنها تعيش في عالم مختلف تماما فبينما يهرب الفقراء من الرصاص يهرب الأثرياء إلى المطارات وبينما يفترش النازحون الأرض يفترش أصحاب النفوذ الفنادق الفاخرة وبينما يبحث المواطن البسيط عن الماء والغذاء والعلاج يبحث تجار الحرب عن مزيد من الأرباح

إن أكثر ما يوجع في هذه المأساة ليس الحرب وحدها بل الشعور العميق بعدم العدالة فالفقراء هم الذين يتحملون أعباء الحرب كاملة وهم الذين يفقدون أبناءهم وبيوتهم وأرزاقهم ومستقبلهم بينما يواصل آخرون جمع الثروات وتوسيع النفوذ والاستمتاع بحياة الترف والرفاهية بعيدا عن أصوات القصف وصور الضحايا

تجار الدين والدم لا يرون الحرب كما يراها الفقراء بالنسبة لهم قد تكون الحرب صفقة رابحة أو وسيلة للنفوذ أو طريقا لمزيد من الثروة أما بالنسبة للأمهات فهي فاجعة يومية وبالنسبة للأطفال فهي سرقة للعمر وبالنسبة للمجتمع فهي نزيف لا يتوقف

هؤلاء الذين يتحدثون كثيرا عن التضحية لا يرسلون أبناءهم إلى ساحات الخطر وهؤلاء الذين يرفعون الشعارات الكبيرة لا يقفون في صفوف الخبز ولا ينتظرون أمام المستشفيات المغلقة ولا يحملون أطفالهم بحثا عن جرعة دواء أو لقمة طعام

أما الفقير السوداني فهو الذي يدفع الثمن كاملا يدفعه من صحته ومن عمره ومن أحلامه ومن مستقبل أبنائه يدفعه وهو صامت أحيانا ومكسور أحيانا أخرى لكنه يواصل الاحتمال لأنه لا يملك خيارا آخر

لقد تحولت الوطنية عند كثير من الفقراء إلى عبء ثقيل يحملونه وحدهم فهم الذين بقوا عندما غادر الآخرون وهم الذين صبروا عندما فقدوا كل شيء وهم الذين ظلوا يؤمنون بالسودان رغم أن السودان لم يمنحهم ما يكفي من الأمان أو العدالة أو الكرامة

إن أخطر ما تخلفه الحروب ليس الدمار المادي وحده بل الدمار الإنساني حين يكبر الأطفال في المخيمات بدل المدارس وحين تصبح الخيمة بديلا للمنزل وحين يتحول الحلم إلى رفاهية لا يستطيع الناس الوصول إليها

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات ولا إلى مزيد من الخطب الرنانة بل يحتاج إلى عدالة حقيقية يشعر بها الجائع قبل الشبعان والنازح قبل المسؤول والمريض قبل صاحب النفوذ

الوطن الحقيقي ليس الأرض فقط بل الإنسان والوطن الحقيقي هو الطفل الذي يجد مدرسة والمريض الذي يجد علاجا والأم التي تجد الأمان والأسرة التي تجد سقفا يحميها من الخوف والجوع والتشرد

وسيظل الضمير الإنساني يطرح السؤال المؤلم إلى متى يبقى الوطن للاغنياء وتبقى الوطنية للفقراء إلى متى يبقى من يملكون أقل شيء هم الأكثر دفعا للثمن ومن يملكون كل شيء هم الأقل تحملا للمسؤولية

إن السودان يستحق مستقبلا مختلفا يستحق وطنا يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات وتوزع فيه التضحيات كما توزع الفرص ويشعر فيه الفقير كما الغني أن هذا الوطن وطنه حقا وليس مجرد مكان يدفع فيه ثمن أخطاء الآخرين

فلا يمكن لأي وطن أن ينهض على أكتاف الجوعى ولا يمكن لأي أمة أن تستمر إذا كان الفقراء وحدهم هم من يدفعون فاتورة الوطنية بينما ينعم الآخرون بثمارها

الوطن للجميع أو لا يكون وطنا كما ينبغي والوطنية مسؤولية الجميع أو تتحول إلى ظلم جديد يضاف إلى قائمة طويلة من الآلام التي أثقلت كاهل هذا الشعب الصابر

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

 

١٦/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *