• نفيسة حجر..تكتب

​في تاريخنا وموروثنا السياسي السوداني التعريف الصحيح “للفلنقاي” هو ذلك الشخص الذي يبيع كل شيء، حتى أخلاقه ومبادئه، ليكون مجرد أداة طيعة في يد أولياء نعمته.

وللأسف، فإن هذا السقوط القيمي ينطبق اليوم تماماً على سلوك الجنرال عبد الفتاح البرهان فالزيارات السريعة والخاطفة التي كان يقوم بها طوال الفترة السابقة لم تكن لخدمة المصالح الاستراتيجية للسودان، بل لعقد صفقات صامتة خلف الكواليس حيث تنازل بموجبها عن السيادة الوطنية، وجعل دماء المعدنين البسطاء (الدهّابة) مجرد قربان وثمن ليرضي به أولياء نعمته في مصر ويضمن حماية كرسيه وبقاءه في السلطة.

​ويتجلي ذلك في إصرار البرهان في خطابه الأخير على استخدام عبارة “الجارة الشمالية” وعجزه عن نطق اسم مصر صراحة وهو يتحدث عن جريمة قصف جوي واضحة استهدفت مواطنيه وهذا يعكس حالة الارتهان السياسي التي تثير السخرية والاشمئزاز في آن واحد حيث تتجلى قمة المهزلة في أن السلطات المصرية نفسها قد أقرت بجريمتها واعترفت بالقصف صراحة، بينما يصر البرهان على أن يكون ملكياً أكثر من الملك!

هذا التلعثم اللفظي والهروب من التسمية المباشرة رغم اعتراف الجاني لا يمكن تفسيره بالتحفظ الدبلوماسي، بل يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الرجل مقيد بملفات وسجلات سرية يملكها الطرف الآخر للضغط عليه ويخشى أن تفضحه الجارة الشمالية كما اسماها.

والمفارقة المؤلمة للشعب السوداني هي أن البرهان يستخدم لغة الحسم والوعيد والجيوش المستنفرة ضد أبناء الوطن الواحد في الداخل، بينما تنكمش هذه القوة وتتحول إلى أعذار واستجداء أمام طرف خارجي أقرّ بدم بارد أنه استباح دماء السودانيين.

​وجاء تبرير البرهان للحادث الأخير المتمثل في قيام الطيران المصري بقصف وتصفية “الدهّابة” ليكشف عن عمق الأزمة فكل الوقائع والشواهد تؤكد أن هؤلاء الشباب لم يقتلوا داخل مصر, بل سُفكت دماؤهم غدراً داخل عمق الأراضي السودانية المعترف بها دولياً، مما يجعل الواقعة عدواناً عسكرياً مباشراً على سيادة السودان.

ولكن خرج البرهان ليقول للمواطنين: “لا تتجاوزوا الحدود حتى لا تتسببوا في مشاكل لنفسكم وللدولة”، فهو يزيف الواقع الجغرافي، ويضع اللوم على الضحايا العُزّل بدلاً من إدانة القصف.

هذا التبرير المهين يعطي الطرف المعتدي كرت أمان مجاني لمواصلة انتهاك أجوائنا واستباحة دماء مواطنينا بلا خوف من الحساب فكما يقول المثل: “من أَمِن العقاب.. أساء الأدب”.

​وأمام هذا التخاذل، تبرز المحاكمة الأخلاقية والدستورية الكبرى فقسم الولاء هو العقد الأخلاقي والقانوني الأول الذي يربط القائد بالوطن وبأرواح المواطنين قبل أي حسابات سياسية أو جغرافية. وأي ضابط يتخرج من الكلية الحربية السودانية يؤدي هذا القسم الغليظ أمام الله والشعب بأن يحمي تراب الوطن ويصون أرواح مواطنيه حتى آخر قطرة من دمه.

وما سمعناه من تبريرات واهية هو حنث وتخلٍّ صريح عن هذا العقد. فالقيادة ليست مجرد رتب ونياشين تُعلّق على الأكتاف، بل هي التزام وعندما يتحول القائد العام للجيش إلى مبرر لانتهاكات دولة أخرى قتلت أبناء شعبه، فإنه يسقط أهليته الدستورية والشرعية لقيادة الدولة .

​آخر قولي: إن دماء المعدنين السودانيين التي أراقها الطيران المصري في صحاري الشمال ستظل وثيقة تاريخية تكشف سلطة فضّلت حماية مناصبها على حماية مواطنيها. إن التفريط في الأرض وتبرير قتل السودانيين داخل حدودهم يثبت أن الكرامة الوطنية لا يمكن أن يمثلها خطاب مرتعش يخاف رئيسه أن ينطق اسم المعتدي وهو يرى أجواء وطنه مستباحة بدم بارد.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *