إسحق بحر…يكتب بينما يحاول دويُّ المدافعِ وصخبُ البنادقِ خنقَ صوتِ الوعيِ في السودان، وتتوزَّعُ أوصالُ الوطنِ بين جبهاتِ الاقتتالِ المعقَّدةِ والولاءاتِ الضيِّقة، يظلُّ اجتراحُ المخارجِ الفكريةِ والسياسيةِ التزاماً وطنياً راسخاً لا تذروهُ رياحُ الحربِ ولا تزعزعُهُ المدافع، بل يُمثِّلُ حجرَ الأساسِ لبناءِ العقدِ الاجتماعيِّ المنشود ؛ فالعبورُ من دولةِ الموتِ إلى رحابِ دولةِ الحياةِ الجديدةِ يفرضُ ألّا تصمتَ الأقلامُ حِينَ تتحدَّثُ البنادق. إنَّ التاريخَ الإنسانيَّ يُعلِّمُنا أنَّ الدولَ العظيمةَ لا تُولَدُ من رحمِ الرفاهِ والاستقرار، بل تُخلَقُ من جوفِ الأزماتِ الكبرى وتحتَ وطأةِ المخاضاتِ العسيرة وفي هذا السياق، فإنَّ الانتقالَ المنشودَ من ” الحربِ إلى الدولة ” ليس مساراً تلقائياً، ولا حتميةً تاريخيةً تحدثُ بمجردِ أن تصمتَ فوهاتُ البنادق؛ بل هو فعلٌ واعٍ، شجاعٌ، ومسؤول، يتطلبُ صمامَ أمانٍ حقيقيٍّ يُعيدُ تأسيسَ البناءِ من قواعدِهِ الأولى، وهو صمامٌ لا يمكنُ أن يكونَ سوى – عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ و مُتراضًى عليه – يتجاوزُ خطايا الماضي ويؤسسُ للمستقبل. إنَّ هذهِ الحربَ الكارثيةَ التي تعيشُها بلادُنا اليومَ ليست مجردَ نزاعٍ عسكريٍّ طارئ، بل هي العرْضُ الأخيرُ والمدمِّرُ لفشلِ العقدِ الاجتماعيِّ القديم؛ ذلكَ العقدِ الهشِّ الذي نهضَ على الإقصاء الممنهج، والتهميشِ الاجتماعيِّ والثقافيِّ، والاستبدادِ السياسيِّ،والمركزيةِ المفرطةِ منذُ فجرِ الاستقلال. عندما نتتبَّعُ جذورَ الثورةِ وفعلَ المقاومةِ كرافعةٍ لتأسيسِ العقدِ الاجتماعيِّ الجديد، نجدُ أنَّ من الاستقامةِ الوطنيةِ والوفاءِ التاريخيِّ ألّا نحصرَ هذا الفعلَ الفذَّ والتضحياتِ الجِسامَ في جيلٍ بعينِهِ، أو نختزلَهُ في حقبةٍ زمنيةٍ منغلقة؛فالـثورةُ في جوهرِها فعلٌ تراكميٌّ متوارَث، لم تكن ثورةُ ديسمبر المجيدةُ نبتةً شيطانيةً مبتورةَ الجذور،ولم تولدْ من فراغٍ أو صدفةٍ جيلية، بل كانت المصبَّ الطبيعيَّ الذي تجمَّعت فيهِ أنهارُ المقاومةِ السودانيةِ عبرَ العقود،إذ تُشكّلُ امتداداً طبيعياً لوعيٍ وطنيٍّ رفضَ الاستبدادَ، وخاصمَ الطغيانَ، وقاومَ الديكتاتورياتِ العسكريةَ المتتاليةَ منذُ أكتوبرَ وأبريل، وصولاً إلى كسرِ قيدِ نظامِ الإنقاذِ البائد. إنَّ هذا ‘الوعيَ الثوريَّ التراكميَّ’ هو القيمةُ الأسمى العابرةُ للأجيال؛وعيٌ نقديٌّ يستلهمُ مراراتِ الماضي،ويتعلَّمُ من عثراتِ النُّخبِ السابقة، ويستشرفُ في الوقتِ ذاتِهِ مستقبلاً لا مكانَ فيهِ للمساوماتِ الفوقيةِ أو الحلولِ الجزئية. ونحنُ نرى هذا الوعيَ حياً ومتجذراً اليوم؛ فرغمَ فظاعةِ الحربِ وانهيارِ المؤسسات، يتجسَّدُ الفعلُ الثوريُّ ميدانياً في مبادراتِ التضامنِ الإنسانيِّ، وغرفِ الطوارئِ القاعديةِ التي يقودُها الشبابُ على الأرضِ؛ أولئك الذين يمارسونَ العقدَ الاجتماعيَّ بأبهى صورِهِ الإنسانيةِ تكافلاً وإيثاراً، قبلَ أن يُخطَّ كدستورٍ على الورق وعندَ تفحُّصِ الشعاراتِ التي حرَّكتِ الملايين، وعلى رأسِها الثلاثيةُ الخالدة (حرية، سلام، وعدالة) ، يضعُنا واقعُ الحربِ اليومَ أمامَ ضرورةٍ فكريةٍ و إستراتيجيةٍ لإعادةِ ترتيبِ هذهِ القيم، ووضعِ النقاطِ على الحروفِ بجرأةٍ و وضوح: العدالةُ أولاً ، كمدخلٍ أساسيٍّ وبنيةٍ تحتيةٍ لكلِّ قيمةٍ أخرى. لقد جرَّبَ السودانُ لعقودٍ طويلةٍ معادلاتِ “السلامِ الزائفِ” القائمِ على محاصصاتِ السلطةِ وترضياتِ النُّخبِ والجنرالات، وتمَّ التغاضي مراراً عن الجرحِ التأسيسيِّ لِلدولة، وغضُّ الطرفِ عن المظالمِ التاريخيةِ والخللِ البنيوي؛ فكانَ المآلُ الطبيعيُّ والنتيجةُ المنطقيةُ لِتلك المقارباتِ هي الانتكاسَ المتكررَ والعودةَ الداميةَ لمربعِ الاحتراب ليأتي واقع الحرب اليوم و يؤكّد بالدليلِ القاطعِ أنَّهُ لا سلامَ بلا عدالة، ولا حريةَ بلا سلام بيدَ أنَّ العدالةَ التي نطلبُها لتكونَ صمامَ أمانِ العقدِ الجديد، وبوابةً لبناءِ مجتمعٍ عادلٍ ومتحضر، هي عدالةُ المؤسساتِ وسيادةِ القانون، لا عقليةُ التشفي أو الانتقام؛ إذ إنَّ نزعةَ الثأرِ وتصفيةِ الحساباتِ لا تبني وطناً، ولا تُؤَسِّسُ لِتعافٍ وطنيٍّ في مرحلةِ ما بعدَ الحرب، بل هي وقودٌ يعيدُ إنتاجَ ذاتِ الدائرةِ الخبيثةِ من العنفِ والتشظِّي. إنَّ العدالةَ المنشودةَ هي التي تبدأُ بكشفِ الحقيقة، ومحاسبةِ الجناةِ دونَ إفلاتٍ من العقاب، وجبرِ ضررِ الضحايا،وصولاً للمساواةِ التامةِ في توزيعِ السلطةِ والثروة؛ لإنهاءِ ثنائيةِ المركزِ والهامشِ بشكلٍ جذريٍّ وكاملٍ وللأبد. العدالةُ هي المدماكُ الأولُ والأساسُ المتين؛ فإذا استقامتْ، أنتجتْ سلاماً حقيقياً ومستداماً، وفي ظلالِ هذا السلام، تترعرعُ الحريةُ وتزدهرُ كحقٍّ أصيلٍ للمواطن، لا كامتيازٍ تاريخيٍّ للنخبة وهنا تبرزُ حقيقةٌ تاريخيةٌ أكَّدتْها أغلبُ تجاربِ الثورةِ ونضالاتُ حركاتِ التحررِ حولَ العالمِ؛ وهي أنَّ عجزَ الطغاةِ والمستبدِّينَ عن صناعةِ التغييرِ ليس سلوكاً عابراً، بل هو حقيقةٌ مؤصَّلةٌ في طبيعةِ الاستبدادِ نفسِهِ؛ إذ إنَّ فاقدَ الشيءِ لا يُعطيهِ، وبقاءَهم مرهونٌ باستدامةِ ذاتِ البُنى القديمة أما وقوعُهم أسارى في حبائلِ الخوفِ الجماعيِّ الذعريِّ، فهو هلعٌ من الاستحقاقِ القادمِ لِلعدالةِ، ونابعٌ من اعتقادِهم المرَضيِّ بأنَّ العدالةَ لا تعني سوى التشفِّي والانتقام. إنَّ المظلومينَ والضحايا وحدَهم هم صُنَّاعُ التغييرِ الحقيقيِّ، وقوةُ الدفعِ للإصلاحاتِ الهيكلية والمفارقةُ التاريخيةُ الكبرى تكمنُ في أنَّ هؤلاءِ الضحايا هم دائماً الأكثرُ تسامحاً معَ الماضي المريرِ، والأقدرُ على تجاوزِهِ دونَ تشفٍّ أو انتقام ،متطلِّعينَ بعزيمةٍ نحو أفقٍ ديمقراطيٍّ جديدٍ يتأسسُ على العدالةِ الناجزةِ والوعيِ المدنيّ وتتجلى هذا الروح في تجاربَ إنسانية مُلهمةٍ غيّرت مجرى التاريخ مثلِ مسارِ المُناضل نيلسون مانديلا في جنوبِ أفريقيا ،وملحمةِ التعافي الوطني في رواندا، وحركةِ الإصلاحِ الإندونيسية (Reformasi) ، وصولاً إلى ثورةِ ديسمبر السلميةِ في السودان، أذ تقف هذه الشواهدُ شاخصةٌ ونماذجُ حيةٌ على السموِّ الأخلاقيِّ للمظلومين، وترفُّعِهم النبيل من أجلِ هندسةِ بناءِ الأوطان.إنَّ هذهِ الحربَ الكارثيةَ، رغْمَ فظاعتِها ومأساويَّتِها، قد وضعتْنا أمامَ واقعٍ يستحيلُ معهُ العودة إلى “ما قبلَ الخامسِ عشرَ من أبريل”؛ لِتُصْبِحَ هذهِ الحربُ الحاليةُ هي الفرصةً – و ربما الأخيرة ً والاضطراريةً – لإعادةِ التأسيسِ البنيويِّ الشاملِ لِلدولة. إنَّ الوعيَ التراكميَّ، المصقولَ بمراراتِ الماضي وأشواقِ المستقبلِ، أثبتَ وسطَ الرصاصِ أنَّ إرادةَ الحياةِ وعزيمةَ الشعوبِ أبقى من أدواتِ الموتِ وأنَّ الدولةَ السودانيةَ القادمةَ لن تُبنى بقوةِ البنادقِ،أو بالاصطفافِ القبليِّ والولاءاتِ الجهويةِ، بل ستُنْهَضُ بإرادةٍ جماعيةٍ صلبةٍ،وبمدنيةِ الوعيِ، وبإقرارِ “العدالةِ أولاً”-مؤسسياً وبنيوياً – كقيمةٍ أخلاقيةٍ وتأسيسيةٍ عُليا وأصيلة، تُرسي معالمَ واضحةً لعقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ ومُتراضًى عليه، وتُمهِّدُ الطريقَ نحو دولةٍ مستدامةٍ قائمةٍ على المواطنةِ المتساويةِ التي لا تُقصِي أحداً. شارك تصفّح المقالات رئيس الوزراء يؤكد اهتمام الحكومة بحماية مورد الغابات ومكافحة التصحر رسالة سلام في مواجهة الكراهية والعنصرية