عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

قبل ان يسأل السوداني من انتصر في هذه الحرب عليه ان يسأل سؤالا اكثر صدقا من الذي أصبح ثري ومن الذي ازداد نفوذا ومن الذي تضاعفت حساباته البنكية بينما تضاعفت المقابر ومخيمات النزوح ومن الذي جعل من دماء السودانيين سلعة تباع وتشترى ومن الذي اكتشف ان الحرب ليست مأساة بل مشروع استثمار يدر الارباح كلما امتد الزمن وازداد عدد الضحايا

في كل حرب يوجد من يدفع الثمن ويوجد من يقبض الثمن والشعب السوداني كان هو الذي دفع كل شيء بينما جلس تجار الدم والسلاح والسلطة والفساد يراقبون المشهد ويحصون الارباح لا عدد القتلى ويحسبون المكاسب لا حجم الدمار ولهذا يصبح السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هل كانت هذه الحرب حقا من اجل الشعب ام كانت على حساب الشعب

اسأل نفسك يا سوداني واسألي نفسك يا سودانية ماذا تغير في حياتكما منذ اندلاع الحرب هل اصبحت المعيشة اسهل ام ازدادت قسوة هل اصبح الخبز اوفر ام صار الوصول اليه معركة يومية هل وجد المرضى الدواء ام وجدوا ابواب المستشفيات مغلقة هل عاد الاطفال الى مدارسهم ام اصبحوا يكبرون بين الخيام واصوات المدافع هل عاد النازحون الى بيوتهم ام ازداد عدد اللاجئين في كل اتجاه وهل اصبحت الكرامة اكثر حضورا ام اصبح المواطن يبحث عن لقمة العيش قبل ان يبحث عن اي شيء اخر

اذا كانت الاجابة لا فلماذا يطلب منك ان تصدق ان هذه الحرب من اجلك ومن المستفيد اذا لم تكن انت المستفيد

من الذي ربح عندما خسر السودان مدنه وقراه ومن الذي ربح عندما تعطلت الجامعات واغلقت المصانع وتوقفت المزارع ومن الذي ربح عندما انهارت العملة وارتفعت الاسعار وتحولت حياة الناس الى صراع يومي من اجل البقاء ومن الذي ربح عندما اصبح ملايين السودانيين نازحين ولاجئين يعيشون على المساعدات بعد ان كانوا يعيشون بكرامة فوق ارضهم

هل رأيت تاجر سلاح يخسر بسبب الحرب ام رأيت ثرواته تتضاعف وهل رأيت مضاربا في الدولار يتمنى نهاية الحرب ام وجد فيها فرصة لا تعوض وهل رأيت تاجر ازمات يطالب بالسلام ام وجد في استمرار النار سوقا مفتوحة لا تغلق ابوابها

ثم اسأل نفسك سؤالا اخر من الذي يطالب الناس بالصبر والتضحية ومن الذي يرسل ابناءه الى الخارج بعيدا عن الخوف والجوع والرصاص ومن الذي يخاطب الجماهير عن البطولة وهو يعيش في امن وراحة بينما يطلب من غيره ان يقدم المزيد من الدماء

اذا كانت الحرب حرب كرامة فاين كرامة النازح الذي افترش الارض والتحف السماء واين كرامة الام التي تعجز عن اطعام اطفالها واين كرامة المريض الذي يموت لغياب الدواء واين كرامة الطالب الذي ضاع مستقبله بين الخراب والخوف واين كرامة المواطن الذي اصبح غريبا داخل وطنه

واذا كانت الحرب طريقا الى النصر فلماذا يزداد عدد القبور ولا يزداد عدد المدارس ولماذا تتوسع مخيمات النزوح ولا تتوسع فرص الحياة ولماذا تتراكم المآسي بينما تتكرر الوعود نفسها عاما بعد عام

الحقيقة التي لا يريد تجار الحرب ان يسمعها الناس هي ان الشعوب لا تنتصر بالجوع ولا تبنى الاوطان بالخراب ولا تحفظ الكرامة بتشريد الملايين ولا يصنع المستقبل على انقاض المدن ولا يمكن ان يكون موت الابرياء طريقا لازدهار وطن

لقد دفع الشعب السوداني اغلى ما يملك دفع ارواح ابنائه وبيوته وامنه ومستقبله وتعليمه وصحته واقتصاده بينما بقي المستفيد الحقيقي بعيدا عن ساحات القتال يراقب الارقام وهي ترتفع في حساباته كلما ارتفع عدد الضحايا

ولهذا يبقى السؤال قائما لا يحتاج الى خطيب ولا الى شعار هل هذه الحرب صنعت حياة افضل للسودانيين ام صنعت ثروة اكبر لتجار الدم وهل اصبح السودان اقوى ام اصبح اكثر ضعفا وهل اصبح المواطن اكثر كرامة ام اكثر فقرا ونزوحا ولجوءا

لن يغير مستقبل السودان من يتاجر بدمائه ولن يبنيه من يستثمر في مآسي شعبه ولن يحميه من يرى في استمرار الحرب طريقا لبقاء سلطته او زيادة ثروته

السودان لا يحتاج الى المزيد من القبور بل يحتاج الى الحياة ولا يحتاج الى المزيد من البنادق بل يحتاج الى المدارس والمزارع والمصانع والمستشفيات ولا يحتاج الى اصوات تدعو الى استمرار الحرب بل يحتاج الى اصوات تنحاز الى الانسان قبل كل شيء

فكر قبل ان تصدق واسأل قبل ان تهتف وتأمل حال وطنك قبل ان تردد شعارات غيرك فقد يكون السؤال الصادق بداية الطريق نحو وطن يستحقه السودانيون جميعا

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

29/يونيو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *