عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ….يكتب في ظل الازمة السودانية المتطاولة وتفاقم المأساة الانسانية واتساع دائرة النزوح واللجوء وانهيار مؤسسات الدولة وتراجع الاقتصاد وانسداد الافق السياسي يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز فوقه وهو هل يمكن ان يكون الحوار الذي تقوده جهة واحدة من اطراف الحرب مدخلا حقيقيا لحل الازمة السودانية ام ان السودان يحتاج الى نوع مختلف من الحوار يقوم على الاعتراف بجذور الازمة ومشاركة جميع الاطراف المعنية بها هذا السؤال ليس سياسيا ولا جدلا حول المصطلحات وانما هو سؤال يتعلق بمصير دولة وشعب ومستقبل اجيال كاملة دفعت وما زالت تدفع ثمنا باهظا لصراعات سياسية وعسكرية متراكمة ومن هنا لابد من توضيح مفهوم الحوار قبل الحديث عن اي مبادرة للحوار الحوار في المفهوم السياسي والقانوني ليس مجرد اجتماع بين مجموعة من الاشخاص ولا منصة سياسية تتحدث فيها جهة واحدة ثم تعلن انها تحدثت باسم السودان كله وليس الحوار عملية لتبادل المواقف من اجل منح الشرعية لطرف على حساب طرف اخر الحوار الحقيقي هو وسيلة سلمية لادارة الاختلاف والبحث عن نقاط الالتقاء ومعالجة اسباب النزاع والوصول الى اتفاقات قابلة للتنفيذ تحفظ حقوق الاطراف وتضع حدا للعنف وتفتح الطريق امام بناء دولة مستقرة وبهذا المعنى فإن الحوار الذي لا يؤدي الى وقف النزاع ومعالجة اسبابه وتحقيق العدالة وبناء السلام لا يمكن اعتباره حوارا منتجا وانما يصبح مجرد عملية سياسية قد تؤجل المشكلة ولا تحلها والسؤال الاكثر اهمية هنا هو ما الغرض من اي حوار اذا لم يكن هدفه الاساسي انهاء الحرب ما الغرض من حوار لا يؤدي الى وقف نزيف الدم وما الغرض من حوار يستبعد اطرافا اساسية من الازمة ثم يقدم مخرجاته باعتبارها حلا وطنيا شاملا وما الغرض من حوار لا يضع حياة المدنيين وكرامتهم وحقوقهم في مقدمة اولوياته ان الحوار ليس غاية في ذاته وانما وسيلة للوصول الى السلام فاذا تحول الحوار من وسيلة لانهاء الحرب الى وسيلة لكسب الوقت او تحسين الموقع السياسي او اعادة ترتيب موازين القوى او منح الشرعية السياسية لطرف من اطراف النزاع فإنه يفقد جوهره ويتحول من اداة للسلام الى جزء من المشكلة والسودان اليوم لا يحتاج الى حوار شكلي جديد بقدر ما يحتاج الى ارادة سياسية صادقة تجعل من انهاء الحرب الهدف الاول والاخير ان الازمة السودانية الحالية لا يمكن اختزالها في خلاف عسكري بين قوتين فقط رغم خطورة هذا الجانب وانما هي نتيجة تراكمات سياسية ودستورية واجتماعية واقتصادية وعسكرية امتدت لعقود طويلة لقد عانى السودان من غياب الاستقرار السياسي ومن هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة العامة ومن ضعف المؤسسات المدنية ومن الحروب الاهلية ومن التهميش ومن ازمات الهوية ومن سوء توزيع السلطة والثروة ومن غياب العدالة والمحاسبة ولهذا فإن اي محاولة لمعالجة الحرب الحالية بمعزل عن جذورها التاريخية والسياسية والاجتماعية ستكون معالجة سطحية لا تلبث ان تعيد انتاج الازمة مرة اخرى والحوار السوداني الحقيقي ينبغي ان يكون شاملا لا اقصائيا ينبغي ان يضم القوى المدنية والسياسية والمجتمعية والنقابات والمهنيين والشباب والنساء والنازحين واللاجئين وممثلي المناطق المتضررة من الحرب وكل القوى السودانية التي يمكن ان تسهم بصورة مسؤولة في صناعة السلام كما يجب ان تكون الاطراف المسلحة جزءا من عملية السلام بالقدر الذي يسمح بانهاء القتال والالتزام بوقف الحرب والانتقال الى مسار سياسي مدني ولا يعني شمول الحوار منح الحصانة او الافلات من المسؤولية لاي طرف ارتكب انتهاكات بحق المدنيين فهنا يجب التفريق بوضوح بين المشاركة السياسية في عملية السلام وبين المساءلة القانونية عن الجرائم والانتهاكات فالسلام الحقيقي لا يعني نسيان الضحايا ولا اغلاق ملفات الانتهاكات ولا منح صكوك البراءة السياسية السلام الحقيقي يعني وقف الحرب وحماية المدنيين وفتح الطريق امام العدالة والمصالحة الوطنية وجبر الضرر واعادة بناء الدولة على اسس جديدة كما ان اي حوار وطني جاد يجب ان يبدأ من قاعدة واضحة وهي ان السودان ليس ملكا للجيش وليس ملكا للحركة الاسلامية وليس ملكا لاي حزب سياسي او جماعة او تنظيم السودان ملك لشعبه والدولة ملك للمواطنين جميعا والسلطة ليست امتيازا دائما لاي مؤسسة او جماعة وانما مسؤولية عامة تستمد مشروعيتها من الشعب والقانون والمؤسسات الدستورية ومن هنا فإن القضية ليست في من يقود الحوار فقط وانما في طبيعة الحوار نفسه وفي اهدافه وفي مرجعياته وفي مدى قدرته على الوصول الى حل شامل ومستدام فالحوار الذي يبدأ من نتيجة محسومة ثم يبحث عن اطراف تؤيدها ليس حوارا والحوار الذي يستبعد المختلفين ثم يسمي نفسه حوارا وطنيا ليس حوارا وطنيا والحوار الذي يجري بينما تستمر الحرب دون ان يجعل وقف القتال اولوية ليس حوارا من اجل السلام والحوار الذي يستخدم معاناة الشعب لتثبيت مواقع سياسية او عسكرية لا يمكن ان يكون مدخلا لبناء الدولة لقد خرج السودانيون في ثورة ديسمبر مطالبين بالحرية والسلام والعدالة ولم تكن مطالبهم مرتبطة فقط بتغيير شخص او حكومة وانما كانت تعبيرا عميقا عن تطلع تاريخي الى دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الانسان وسيادة القانون وتخضع فيها المؤسسات العسكرية للسلطة المدنية الدستورية ولهذا فإن اي مشروع سياسي يحاول اعادة انتاج الماضي تحت واجهات جديدة لن يكون قادرا على بناء المستقبل والحل لا يكون باقصاء الخصوم وانما بتحويل الصراع من ميدان السلاح الى ميدان السياسة ومن منطق الغلبة الى منطق التوافق ومن لغة القوة الى لغة القانون ولكن التوافق لا يعني مساواة الحق بالباطل ولا يعني تجاهل الجرائم ولا يعني التسوية على حساب الضحايا انما يعني الاتفاق على قواعد سياسية وقانونية تجعل الدولة فوق الجميع والقانون فوق السلطة والسلاح خارج العملية السياسية وهنا تأتي اهمية الترتيب الصحيح لمسار الحل وقف الحرب يجب ان يكون اولوية عاجلة ثم حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الانسانية ثم اطلاق عملية سياسية سودانية شاملة ثم الاتفاق على ترتيبات انتقالية واضحة ثم بناء مؤسسات الدولة المدنية ثم اصلاح القطاع الامني والعسكري بصورة مهنية وقانونية ثم اجراء العدالة والمساءلة وجبر الضرر والمصالحة ثم الوصول الى انتخابات حرة ونزيهة في نهاية مرحلة انتقالية متفق عليها وهذا المسار لا يمكن ان ينجح اذا كان الحوار مجرد منصة لفرض رؤية طرف واحد على بقية السودانيين ان السودان يحتاج اليوم الى حوار يملك شجاعة الاعتراف بالاخطاء وليس حوارا يبحث عن تبريرها ويحتاج الى حوار يستمع الى الضحايا قبل السياسيين والى النازحين قبل اصحاب المناصب والى النساء والشباب قبل النخب التقليدية والى المناطق التي احترقت قراها قبل المكاتب السياسية ويحتاج الى حوار يجعل الانسان السوداني محور العملية السياسية لا السلطة ولا السلاح لقد دفع المواطن السوداني ثمنا لا يحتمل قتل وتشريد ونزوح ولجوء وفقدان للمنازل ومصادر الرزق وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتفكك الاسر وارتفاع معدلات الفقر والجوع وفي ظل هذه المأساة يصبح من غير المسؤول اخلاقيا وسياسيا ان يتحول الحوار الى منافسة على السلطة بينما يظل المواطن يبحث عن الامان والطعام والدواء ومكان ينام فيه لذلك فإن معيار نجاح اي مبادرة للحوار يجب الا يكون عدد المشاركين فيها ولا حجم البيانات التي تصدر عنها ولا عدد الاجتماعات التي تعقدها المعيار الحقيقي هو سؤال واحد هل استطاعت هذه المبادرة ان توقف الحرب وتعيد الامان للمدنيين وتفتح الطريق امام دولة القانون اذا كانت الاجابة نعم فهي خطوة في الاتجاه الصحيح اما اذا كانت الاجابة لا فإن علينا ان نعيد النظر في طريقة الحوار واهدافه واطرافه ومرجعياته ان السودان لا يحتاج الى انتصار طرف على طرف السودان يحتاج الى انتصار الوطن على الحرب ولا يحتاج الى ان تنتصر جماعة سياسية على اخرى وانما يحتاج الى ان ينتصر القانون على السلاح ولا يحتاج الى اعادة انتاج الماضي بل يحتاج الى صناعة مستقبل جديد يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وسيادة القانون والديمقراطية ومن هنا فإن الدعوة الى حوار سوداني شامل ليست دعوة للمجاملة السياسية وليست دعوة لطمس المسؤوليات وانما هي دعوة الى انقاذ ما يمكن انقاذه من الدولة والمجتمع فالحوار الحقيقي لا يعني ان نتفق على كل شيء وانما يعني ان نختلف دون ان نقتل بعضنا وان نحتكم الى القانون بدلا من السلاح وان نبحث عن حلول تحفظ كرامة الانسان وتحمي وحدة البلاد واذا كان هناك حوار جاد يريده السودانيون فعلا فيجب ان يكون حوارا من اجل وقف الحرب وليس حوارا من اجل ادارة الحرب حوارا من اجل السلام وليس حوارا من اجل شرعنة القوة حوارا من اجل بناء الدولة وليس حوارا من اجل اقتسام السلطة حوارا من اجل المستقبل وليس حوارا يعيدنا الى الماضي وفي نهاية المطاف فإن السودان لن يخرج من ازمته بالرصاص ولن يخرج منها بالاقصاء ولن يخرج منها بانتصار عسكري دائم السودان سيخرج من ازمته عندما يدرك الجميع ان لا احد يستطيع ان يحكم هذا البلد بالقوة الى الابد وان لا طرف يستطيع ان يلغي الطرف الاخر وان الدولة لا يمكن ان تبنى فوق ركام الحرب الحل الحقيقي يبدأ عندما تصبح حياة الانسان السوداني اغلى من المكاسب السياسية وعندما يصبح وقف الحرب اهم من كسب المعركة وعندما يصبح بناء الدولة اهم من السيطرة عليها ذلك هو الحوار الذي يحتاجه السودان حوار لا يبحث عن منتصر ومهزوم بل يبحث عن وطن يعيش فيه الجميع حوار لا يغطي الجراح بل يعمل على علاجها حوار لا يهرب من العدالة بل يجعلها جزءا من السلام حوار لا يعيد انتاج الازمة بل يفتح الطريق للخروج منها فالسودان لا يحتاج الى حوار من اجل الحوار السودان يحتاج الى حوار ينهي الحرب ويؤسس للسلام ويعيد بناء الدولة ويحفظ كرامة الانسان ويمنح الاجيال القادمة فرصة للعيش في وطن لا تكون فيه البندقية هي اللغة الاولى ولا يكون فيه الخوف هو مستقبل المواطن وهنا تكمن مسؤولية الجميع فاما ان يكون الحوار جسرا نعبر به من الحرب الى السلام واما ان يتحول الى جسر نعبر عليه من ازمة الى ازمة والسودان لم يعد يحتمل ازمة جديدة نواصل بمشيئة الله بتاريخ 23 أغسطس /2026 شارك تصفّح المقالات طبُّ البرعي في زمن الحرب؟! (١) جعجعة عقار