جعجعة عقار

أغسطس 23, 2026

نجم الدين دريسة…يكتب

 

ثمة لحظات ينكشف فيها السياسي أمام تاريخه أكثر مما ينكشف أمام خصومه وحين يصبح الماضي شاهدا على الحاضر لا يعود تغيير المواقع كافيا لمحو التناقض ولا تبديل المواقع قادرا على إعادة صياغة الذاكرة العامة وفي هذه المنطقة تحديدا يقف مالك عقار اليوم أمام مأزق سياسي بالغ الوضوح مأزق لا تصنعه المعارضة ولا تفتعله الخصومة وإنما تصنعه الفجوة الواسعة بين ما قاله بالأمس وما يردده اليوم

 

قبل نحو شهر ونصف خرج عقار بمبادرة سياسية قدمها بوصفها محاولة لفتح نافذة في جدار الحرب وصياغة مخرج للأزمة السودانية وكان يفترض بمن يطرح مثل هذه المبادرة أن يدافع عنها أو يشرح أسباب التخلي عنها أو يعلن بوضوح أن الوقائع قد تغيرت وأن الموقف السابق لم يعد صالحا لكن الرجل اختار الطريق الأسهل انتقل من لغة المبادرة إلى لغة الحسم وكأن السياسة عنده ليست التزاما فكريا ولا مسؤولية أمام الرأي العام وإنما مجرد عبارات تتبدل بتبدل اللحظة ومقتضيات الموقع

 

المشكلة هنا ليست أن يغير السياسي موقفه فالتغيير في السياسة ليس عيبا حين يكون ثمرة قراءة جديدة للوقائع وإنما العيب أن يتغير الموقف دون تفسير وأن تهدم الفكرة القديمة دون الاعتراف بأنها كانت مطروحة وأن يتحول صاحب المبادرة إلى أحد أكثر المتحمسين للحسم دون أن يقدم للسودانيين إجابة واحدة مقنعة عن السؤال البسيط ماذا حدث بين المبادرة والحسم

 

الأكثر إثارة أن عقار يتحدث اليوم بلهجة الوصي على الدولة ووحدتها ومؤسساتها وكأن الدولة اكتشاف حديث في تجربته السياسية بينما التاريخ لا يمنح أحدا رفاهية انتقاء صفحاته والرجل الذي حمل السلاح في مواجهة الدولة لسنوات طويلة لا يملك أن يطلب من السودانيين محو تلك المرحلة من الذاكرة لمجرد أنه انتقل من موقع المعارضة المسلحة إلى مقعد في السلطة

 

ليست المشكلة في أن يراجع الإنسان مواقفه السابقة بل إن المراجعة فضيلة سياسية وأخلاقية ولكن المراجعة الحقيقية تبدأ بالاعتراف وتنتهي بالتفسير أما أن يتحول التاريخ إلى عبء لا يذكر إلا حين يخدم الخطاب الجديد فذلك ليس مراجعة وإنما إعادة تدوير للمواقف وفق مقتضيات السلطة

 

ثم تأتي نغمة الحسم العسكري لتكشف هشاشة الخطاب أكثر مما تكشف قوة الموقف فالحروب لا تنتصر عليها اللغة العالية ولا تحسمها الرغبات السياسية ولا تتغير خرائط النفوذ بمجرد إعلان الانتصار مسبقا والواقع السوداني أكثر تعقيدا من أن يختزل في خطاب تعبوي أو وعد عسكري فالميدان متحرك والوقائع تتبدل وموازين القوة ليست نصا ثابتا يمكن قراءته بالطريقة نفسها كل يوم

 

والأشد دلالة أن قوات تأسيس تحقق اختراقات واسعة وتوسع حضورها في مناطق متعددة من النيل الأزرق بينما يأتي خطاب عقار محملا بيقين سياسي لا يبدو أن الوقائع تسنده وهنا تصبح الفجوة بين الخطاب والحقيقة أكبر من أن تغطيها البلاغة فحين يتحدث السياسي عن واقع لا يطابق ما يجري على الأرض تتحول اللغة من أداة لفهم الواقع إلى وسيلة للهروب منه

 

وهذه واحدة من أقدم علل السياسة السودانية حين تتراجع القدرة على تقديم الإنجاز ترتفع جرعة الخطاب وحين تضيق مساحة الفعل تتسع مساحة الادعاء وحين تعجز السلطة عن إنتاج إجابات حقيقية تنتج بدلا منها شعارات أكثر صخبا ولذلك فإن لغة الحسم التي تتردد اليوم لا تبدو في جوهرها تعبيرا عن فائض ثقة بقدر ما تبدو محاولة لتعويض عجز سياسي متراكم

 

عقار الذي يفترض أن يكون صاحب رؤية مستقلة يبدو في كثير من تصريحاته وكأنه يكرر الصدى الرسمي أكثر مما ينتج موقفا خاصا به وكأن المسافة بينه وبين خطاب البرهان قد ضاقت إلى الحد الذي لم يعد معه ممكنا التمييز بين صاحب الموقف ومن يردد الموقف

 

وهنا تحديدا يبرز المثل السوداني الأطرش في الزفة لا باعتباره مجرد سخرية شعبية وإنما بوصفه توصيفا سياسيا لحالة رجل يتحرك في اتجاه بينما يتقدم الواقع في اتجاه آخر ثم يصر على أن صوته هو الحقيقة

 

إن السياسي الذي لا يراجع خطابه حين تتغير الوقائع يتحول مع الوقت إلى أسير لخطابه والسياسي الذي لا يفسر انتقاله من المبادرة إلى الحسم يفقد ثقة الناس والسياسي الذي يختزل الدولة في سلطة قائمة لا يكون قد فهم الدولة وإنما فهم السلطة فقط

 

فالدولة التي يتحدث عنها عقار ليست قصرا ولا مجلسا سياديا ولا موقعا تنفيذيا ولا سلطة عسكرية الدولة أوسع من الأشخاص وأبقى من الحكومات وأعمق من المواقع الدولة قانون ومؤسسات ومواطنة وعدالة وجيش مهني وسلطة مدنية وانتخابات ومحاسبة ومن يختزل الدولة في أدوات القوة إنما يحول مفهوم الدولة إلى غطاء سياسي للسلطة القائمة

 

ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يواجه عقار نفسه قبل أن يواجه به الآخرين هو ماذا بقي من مبادرته السياسية وما الذي جعله ينتقل بهذه السرعة من خطاب البحث عن مخرج سياسي إلى خطاب الحسم العسكري وهل تغيرت طبيعة الحرب أم تغير موقعه داخل السلطة وهل تغيرت قناعاته أم تغيرت حاجته إلى الخطاب

 

هذه ليست أسئلة خصوم وإنما أسئلة سياسية مشروعة لا يستطيع رجل يشغل موقعا بهذا الحجم أن يتجاوزها

 

والأخطر من ذلك أن الحديث عن الحسم لا ينتهي عند سؤال كيف تنتهي الحرب بل يبدأ منه سؤال اليوم التالي من يحكم السودان بعد الحسم وبأي شرعية وكيف يعاد بناء الدولة وكيف تعاد المؤسسات إلى دورها الطبيعي وكيف يعاد الجيش إلى مهنيته وكيف تمنع البلاد من إنتاج حرب جديدة بعد أن تنتهي الحرب الحالية

 

فالحسم العسكري مهما كان شكله لا يصبح مشروعا سياسيا بمجرد إعلانه والانتصار في معركة لا يعني بالضرورة الانتصار في معركة بناء الدولة وقد تكون أعقد معارك السودان هي تلك التي تبدأ بعد توقف البنادق

 

ولعل ما طرحه أحمد علي في نقد النخب السودانية يلامس جانبا مهما من هذه المعضلة فالمشكلة ليست فقط في تبدل الوجوه وإنما في استمرار العقلية التي ترى الوطن من نافذة الموقع السياسي وحين يصبح الكرسي هو مركز التفكير تتحول الدولة إلى ملحق بالسلطة ويتحول الشعب إلى جمهور ينتظر خطابات جديدة من أشخاص قديمة

 

السودان لا يحتاج إلى سياسي يبدل مواقفه أسرع مما تتبدل الوقائع ولا إلى خطاب يستمد قوته من ارتفاع النبرة ولا إلى شعارات وطنية تستخدم لتغطية عجز سياسي السودان يحتاج إلى رجال دولة يعرفون أن الاعتراف بالواقع شجاعة وأن الحوار ليس ضعفا وأن السلام ليس هزيمة وأن التراجع عن الخطأ فضيلة وأن الموقف السياسي مسؤولية لا جملة عابرة

 

عقار بحاجة اليوم إلى مراجعة أعمق من مجرد إطلاق تصريحات جديدة بحاجة إلى أن يواجه الأسئلة التي تركتها مبادرته السابقة وأن يفسر للسودانيين لماذا انتقل منها إلى خطاب الحسم وأن يقدم رؤية لما بعد الحرب لا مجرد أمنية لانتصار عسكري

 

أما أن يواصل إطلاق الأحاديث بلا عواهنها عبر قناة الجزيرة وأن ينتقل من خطاب إلى خطاب ومن مبادرة إلى نقيضها دون تفسير ودون مراجعة ودون مشروع واضح فهذا لا يصنع رجل دولة وإنما يصنع صورة أخرى من صور الأزمة السياسية التي أرهقت السودان

 

لقد سئم السودانيون من السياسي الذي يتحدث عن الدولة حين تكون الدولة مقعدا ومن الوطن حين يكون الوطن سلطة ومن الحسم حين يصبح الحسم شعارا ومن السلام حين يكون السلام وسيلة للخطاب

 

والحقيقة التي ينبغي أن يدركها عقار قبل غيره أن الجعجعة لا تهزم الوقائع وأن الصراخ لا يصنع مشروعا وأن كثرة الحديث لا تمنح صاحبه بالضرورة قوة سياسية

 

السياسة في لحظات الأزمات الكبرى ليست مسابقة في رفع الصوت وإنما امتحان في الشجاعة والوضوح والقدرة على مواجهة الحقيقة

 

وحين ينهار الموقف لا تنقذه البلاغة وحين تضيق الرؤية لا توسعها كثرة التصريحات وحين يصبح السياسي عاجزا عن تفسير انتقالاته فإن أكثر ما يحتاج إليه ليس خطابا جديدا وإنما مراجعة صادقة لموقفه كله

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *