اسماعيل يونس..يكتب

 

بطاقة تعريفية بالشخصيتين

حسن أحمد الترابي، أحد أبرز رواد ومؤسسي الفكر الإخواني الإسلاموي في السودان، بل يُعد عرّابه الأبرز تاريخياً وسياسياً.

أما محمد جلال هاشم، فهو أحد المفكرين والكتاب الذين ارتبطوا بمشروع «السودان الجديد»، ومن أشهر إسهاماته الفكرية منهج التحليل الثقافي، الذي حاول من خلاله تفسير جذور الأزمة السودانية من زاوية الثقافة والهوية والهيمنة.

 

حسن الترابي… من تأسيس الإنقاذ إلى نقد التجربة

 

رغم أن حسن الترابي كان من أبرز مهندسي انقلاب 30 يونيو 1989، وأنه يتحمل، تاريخياً وأخلاقياً، مسؤولية أساسية عن التجربة الإسلاموية التي حكمت السودان، وما ترتب عليها من إزهاق للأرواح، وتشريد للمواطنين، وإفساد للحياة السياسية والاجتماعية، فإن موقفه من التجربة نفسها شهد، في مراحل لاحقة، تحولات مهمة.

فالترابي، وبحسب ما قاله في عدد من الندوات واللقاءات والحلقات التلفزيونية، ومن أشهرها سلسلة حلقاته في برنامج «شاهد على العصر»، كان يرى أن ما سُمّي بـ«ثورة الإنقاذ» كان ينبغي أن يكون ثورة حقيقية تشمل مختلف مناحي الحياة، خاصة وأن الجماهير قد التفّت حول الشعارات الإسلامية التي رفعتها الحركة.

لكن الرجل سرعان ما اصطدم بممارسات بعض من شاركوا في السلطة، وانتقد بشدة الذين جعلوا السلطة والثروة غايتهم الأساسية، واتهمهم بالفساد والتغول على الدولة، حتى قال عنهم إنهم «أكلوا المال أكلاً عجيباً».

ومع مرور السنوات، لم يكتفِ الترابي بنقد بعض ممارسات النظام، وإنما دخل في مواجهة مباشرة مع النظام الذي كان قد ساهم في تأسيسه. وانتهى به الأمر معارضاً للسلطة التي جاءت بانقلابه، وظل كذلك حتى وفاته.

وفي أواخر أيامه، بدا الترابي أكثر اهتماماً بمحاولة التكفير عما اعتبره أخطاء التجربة، فسعى إلى التقارب مع الشباب والقوى السياسية السودانية، رغم اختلافاتها الفكرية والأيديولوجية، داعياً إلى توحيد رؤيتها من أجل الوطن.

كان يرى أن السودان يمضي نحو الموت البطيء والتشظي، وأن حجم الغضب الشعبي قد تصاعد نتيجة سياسات الإنقاذ وممارساتها.

ومن هنا يمكن القول إن الترابي، تحول من أحد أهم مؤسسي النظام إلى أحد أبرز منتقديه.

وقد دفع هذا التحول بعض تلاميذه ورفاقه السابقين إلى اتهامه بالخرف أو الارتداد عن الدين، ورفضوا مواقفه الجديدة رفضاً قاطعاً، بل حاربوه سياسياً وفكرياً. ولم يتقبلوه مجدداً بوصفه مؤسساً لفكرهم إلا بعد وفاته.

لكن ذلك لم يمنع بقاء نقده للتجربة محفوظاً في الأرشيف السياسي والفكري السوداني، بما فيه من اعترافات وشهادات وانتقادات.

وهذا النقد، في تقديري، كان أحد العوامل التي ساهمت في كشف تناقضات التجربة الإسلاموية أمام قطاعات واسعة من السودانيين، وفي تعزيز المقاومة السياسية التي انتهت بسقوط نظام البشير سلمياً في ثورة ديسمبر، قبل أن يعود الصراع إلى السودان من بوابة الحرب.

 

محمد جلال هاشم…

(من نقد الهيمنة إلى الاصطفاف)

 

أما محمد جلال هاشم، فمنذ ظهوره الفكري والسياسي، برز ناقداً للتجربة الإنقاذية، وقدم من خلال منهج التحليل الثقافي رؤية تعتبر أن الثقافة الإسلاموعروبية تمثل أحد جذور الأزمة السودانية.

فوفقاً لهذا المنهج، هيمنت الثقافة الإسلاموعروبية على الدولة والمجتمع ومختلف أنشطة الإنسان في السودان، ولم تفسح المجال بصورة عادلة أمام الثقافات السودانية الأخرى لكي توجد وتتطور.

ومن ثم، يرى هاشم أن خلاص السودان لا يمكن أن يتحقق ما لم تُكسر هذه الهيمنة، حتى لو تطلب الأمر، وفقاً لهذا التصور، اللجوء إلى الثورة المسلحة لإعادة التوازن وتأسيس دولة جديدة.

وفي سبيل ذلك، اقترب الرجل من حركات المقاومة المسلحة، وساند عدداً منها، بل ارتبط بالحركة الشعبية لتحرير السودان قبل الانفصال، وشارك في منابرها، وتردد أنه أسهم أيضاً في تدريب كوادرها.

 

حرب 15 أبريل…

اختبار المنهج

لكن حرب 15 أبريل 2023 مثلت، في تقديري، نقطة مفصلية في مشروع محمد جلال هاشم الفكري.

فقد كشفت الحرب أن الصراع السوداني يمكن أن ينفجر بصورة مباشرة داخل المجال الذي يفترضه «التحليل الثقافي» نفسه؛ أي داخل مكونات الثقافة العربية الإسلامية التي ظلت، وفق أطروحته، تمثل مركز الهيمنة.

فإذا كان الصراع الأساسي في السودان يدور حول السلطة والثروة، وكانت الاختلافات الثقافية والهوياتية عوامل ثانوية يجري توظيفها لتغذية الصراع وإدامته، فإن الحرب الأخيرة تفرض إعادة النظر في ترتيب هذه العوامل وأولوياتها.

وهنا، بحسب القراءة التي أقدمها في هذا المقال، حدث التحول.

فبدلاً من أن يظل محمد جلال هاشم على مسافة واحدة من أطراف الصراع، اختار الاصطفاف مع أحد أطراف المجال الذي يصنفه هو نفسه ضمن الثقافة الإسلاموعروبية، والدفاع عنه في مواجهة الطرف الآخر.

وهذا الاصطفاف، في تقديري، لم يعد منسجماً مع المنهج الذي ظل الرجل يطرحه ويدافع عنه طوال مسيرته الفكرية.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الرجل، الذي ظل ينتقد الهيمنة الإسلاموعروبية، بدا في لحظة الحرب وكأنه يدافع عن أحد أطرافها، الأمر الذي يضعه أمام مفارقة فكرية وسياسية كبيرة.

فهل تغير الواقع السوداني إلى الدرجة التي أصبحت معها أدوات «التحليل الثقافي» عاجزة عن تفسيره؟

أم أن الموقف السياسي الجديد هو الذي جعل المنهج يتراجع أمام الاصطفاف؟

 

الخلاصة

المقارنة بين حسن الترابي ومحمد جلال هاشم تكشف، في رأيي، مفارقة تستحق التوقف عندها.

فالترابي، رغم مسؤوليته التاريخية الكبيرة عن تأسيس التجربة الإسلاموية والانقلاب الذي جاء بها إلى السلطة، انتهى به الأمر إلى نقد تجربته، ومراجعة كثير من ممارساتها، والدعوة إلى التقارب بين السودانيين، والاعتراف بخطورة استمرار الانقسام والصراع.

أما محمد جلال هاشم، الذي بدأ مسيرته ناقداً للهيمنة الإسلاموعروبية ومدافعاً عن مشروع السودان الجديد، فقد قادته الحرب إلى اصطفاف سياسي يبدو، في تقديري، متناقضاً مع كثير من مرتكزات مشروعه الفكري السابق.

ومن هنا تبدو المفارقة:

الترابي بدأ بانقلاب على الدولة ثم انتهى إلى الدعوة للحكم المدني، بينما بدأ محمد جلال هاشم من نقد الهيمنة والبحث عن إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، ثم انتهى إلى موقف سياسي جعل كثيراً من المتابعين يتساءلون: إلى أين يريد أن يقود مشروعه؟

وربما يكون هذا هو السؤال الأهم الذي تطرحه المقارنة بين الرجلين:

هل تقاس الأفكار بما بدأت به، أم بما انتهت إليه عند اختبارها أمام الواقع؟

ففي النهاية، يبدو الترابي ــ رغم كل إرثه السياسي والفكري المثير للجدل ــ أكثر وضوحاً في مآلات مشروعه ومراجعته الفكرية، بينما لا يزال موقف محمد جلال هاشم، في ظل الحرب والتحولات التي أحدثتها، بحاجة إلى إجابة واضحة عن سؤال أساسي: ما الدولة التي يريدها للسودان، ومن أي موقع فكري وسياسي يريد الوصول إليها؟

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *