لم يكن صمت الأحزاب السياسية السودانية أمام الدم المسفوك حادثة طارئة، بل نتيجة مباشرة لمسار طويل من التفكيك المنهجي الذي قادته الحركة الإسلامية قبل أن تُفكّك الدولة نفسها. فالمشروع الإسلامي لم يبدأ بهدم السودان من الأطراف، بل بدأ بهدم الأحزاب من الداخل: ضرب الثقة بين الأعضاء، نشر ثقافة التخوين، صناعة مراكز نفوذ متصارعة داخل الحزب الواحد، وتحويل الاختلاف السياسي المشروع إلى عداوة وجودية. هذا الأسلوب لم يكن استثناءً، بل استُخدم بصورة متشابهة داخل كل أحزاب القوى المدنية السودانية حتى فقدت مناعتها، وانهارت قدرتها على الفعل والحماية والمواجهة. بهذا التفكيك المسبق، دخلت الأحزاب لحظة الثورة والحرب وهي مُنهكة، مخترقة، فاقدة للبوصلة. وعندما خرج الشباب إلى الشوارع في مواكب سلمية، لم يجدوا خلفهم تنظيمًا صلبًا يحميهم أو خطابًا واضحًا يدافع عنهم. فكان الرد عليهم رصاصًا حيًا موجّهًا للقتل: إصابات في الرأس والقلب، إعدامات ميدانية لا تخطئ معناها. لم تكن تجاوزات، بل سياسة قتل، بينما اكتفت أحزاب كثيرة بالصمت أو بيانات باهتة لا تساوي قطرة دم. وفي ميدان الاعتصام، بلغ الإجرام ذروته. قُتل الشباب، انتهكت الأجساد، ثم أُخفيت الجريمة بإلقاء الجثث في النيل الأزرق. محاولة محو الذاكرة فشلت، لأن النيل شهد، وبكى قبل أمهات الشهداء. ومع ذلك، لم تُقابل الجريمة بموقف سياسي بحجمها. لم يحدث كسر حاسم مع المشروع الذي نفّذها، بل استمر التردد وكأن ما جرى قابل للنسيان أو المساومة. ثم جاءت حرب 15 أبريل، لتكتمل الدائرة. تُرك الشباب السوداني لقادة ورموز نظام الإخوان المسلمين يتصدرون مشهد التعبئة والاستنفار، بلا رقيب ولا محاسبة، يُساقون إلى حرب لا تخصهم، ويُقدَّم لهم الموت باعتباره “كرامة”. والحقيقة التي تهرب منها الأحزاب أن هذه ليست حرب كرامة السودان، بل حرب عودة الإخوان المسلمين إلى السلطة عبر الدم. السؤال الفاضح يظل قائمًا: هل تمتلك الأحزاب شبابًا آخرين محفوظين في الخارج، بينما يُحرق هذا الجيل في معركة هدفها إعادة إنتاج نفس المشروع الذي دمّر البلاد؟ صمت الأحزاب هنا ليس حيادًا، بل تخلٍ عن واجب قانوني وأخلاقي. فقانون الأحزاب السياسية السوداني، في جوهره، لم يُنشأ فقط لتنظيم التسجيل والأنشطة، بل ليحمي التعددية السياسية والديمقراطية الداخلية، ويمنع تقويض الأحزاب أو اختراقها أو استخدام العنف والخطاب التحريضي ضدها. ويؤكد القانون على أن العمل الحزبي يقوم على المنافسة السلمية، واحترام الخصم السياسي، ونبذ العنف، وحماية عضوية الأحزاب من التهديد والتخوين. كما أن قانون مفوضية الأحزاب السياسية يمنح المفوضية صلاحيات حماية الحياة الحزبية من التفكيك والتخريب، وضمان التزام الأحزاب بمبادئ الديمقراطية والشفافية، ومنع أي جهة – رسمية أو غير رسمية – من التدخل في شؤونها أو استخدام أدوات القمع والتخويف ضد أعضائها. الصمت عن قتل الشباب، والصمت عن خطاب التخوين، والصمت عن التعبئة الإخوانية للحرب، يتناقض صراحة مع روح هذه القوانين، ويُفرغها من مضمونها. الأخطر أن الأحزاب نفسها، حين تصمت، تُشرعن عمليًا الأسلوب الذي استخدمته الحركة الإسلامية لتفكيكها: التخوين بدل الحوار، الإقصاء بدل الديمقراطية، والعنف بدل السياسة. وهكذا تتحول من ضحية إلى شريك سلبي في إعادة إنتاج الجريمة. العمل السياسي، وفق القانون والدستور والمبادئ الديمقراطية، لا يقوم على الدم، ولا على التضليل، ولا على دفع الشباب إلى الموت دون وعي. ومن يعجز عن تسمية الحرب باسمها الحقيقي، وعن فضح من يستغل الشباب وقودًا لها، لا يملك حق ادعاء تمثيلهم. الدم الذي سُفك في الشوارع، والجثث التي حُملت في النيل، والشباب الذين يُدفعون اليوم إلى جبهات حرب إخوانية، لن تُغطيها بيانات الصمت. فالصمت هنا ليس موقفًا سياسيًا، بل جريمة مكتملة الأركان. نواصل بمشيئة الله شارك تصفّح المقالات اِتِّهَامَاتٌ كِيمْيَائِيَّةٌ تُطَارِدُ مِصْرَ مِنْ بَوَّابَةِ السُّودَانِ صباح محمد الحسن تكتب : استعادة نفوذ