منذ الأسبوع الأول للحرب السودانية التي اندلعت فجر السبت 15 أبريل/نيسان 2023، لم يكن الصراع مجرد اشتباك تقليدي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل تحوّل تدريجيًا إلى حرب متعددة المستويات، تداخلت فيها خطوط الإمداد، والدعم الإقليمي (المصري)، واختبار حدود المحظور. ومع امتداد القتال من العاصمة إلى الأطراف، بدأت تتشكل رواية مقلقة، لا تزال حتى اليوم بلا تحقيق دولي حاسم. بحلول الأسبوع الثالث من مايو/أيار 2023، ومع احتدام المواجهات في الخرطوم بحري ومنطقة سلاح المدرعات جنوب الخرطوم، تداول ناشطون سودانيون تقارير عن “أعراض غير اعتيادية” ظهرت على مدنيين في مناطق تماس، شملت حالات اختناق، تهيّج حاد في العين والجهاز التنفسي، دون وجود قصف تقليدي كثيف يفسرها. هذه الإفادات، التي لم تُوثق مخبريًا، وُضعت حينها في خانة “الضباب الحربي”. غير أن الصورة تغيّرت مع انتقال المعارك إلى دارفور. ففي الأسبوع الأخير من أغسطس/آب 2023، ومع العمليات التي نُسبت إلى وحدات من الفرقة 16 مشاة – نيالا وعناصر مرتبطة بـالقيادة العامة للجيش السوداني في محيط نيالا وزالنجي، تصاعدت اتهامات محلية باستخدام “مواد خانقة” خلال عمليات تمشيط ليلية، وفق إفادات أطباء ميدانيين وناجين نُشرت عبر منصات سودانية مستقلة. اللافت أن هذه الاتهامات لم تصدر في سياق فوضوي فقط، بل تكررت بصيغ متقاربة خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بالتزامن مع محاولات الجيش استعادة السيطرة على مواقع استراتيجية غرب البلاد. ورغم غياب أي بعثة دولية للتحقق، فإن التكرار الزمني والمكاني نقل المسألة من خانة الإشاعة إلى خانة السؤال السياسي المشروع. هنا، وبالتوازي، عاد اسم مصر إلى التداول، ليس عبر اتهام مباشر مثبت، بل عبر تساؤل منطقي عن مصادر الدعم والتسليح. فالقاهرة، التي ترتبط بعلاقات عسكرية وثيقة بالقيادة العامة للجيش السوداني منذ سنوات، وتحديدًا مع قيادة سلاح الجو السوداني، وجدت نفسها — بحكم موقفها القانوني — خارج أي منظومة تحقق دولية يمكن الرجوع إليها. ومع دخول الحرب مرحلتها الأكثر تعقيدًا في نوفمبر وديسمبر 2023، وتحديدًا أثناء العمليات حول أم درمان القديمة ووادي سيدنا، تزايدت إفادات عن استخدام “وسائل غير تقليدية لتفريغ مناطق مدنية قبل التقدم البري”. مرة أخرى، لم تُحسم هذه الادعاءات، لكن السؤال لم يعد سودانيًا داخليًا: من يملك القدرة التقنية، ومن يملك الغطاء السياسي؟ في هذا السياق، يصبح موقف مصر من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عنصرًا حاسمًا في الجدل. فالدولة التي لم توقّع ولم تُصادق على الاتفاقية منذ 1997، لا تخضع لآليات التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ولا يمكن إلزامها قانونيًا بفتح منشآتها أو تقديم بيانات تحقق. هذا الواقع لا يُدين، لكنه يعطّل النفي القاطع. الأمر بلغ ذروته مع بداية فبراير/شباط 2024، حين تزامن تصاعد العمليات العسكرية في وسط السودان مع تداول واسع لصور ومقاطع عن نفوق حيواني وتلوث غير مفسَّر قرب مجاري مائية مرتبطة بالنيل الأزرق. مرة أخرى، لا يوجد تقرير علمي -باستثناء الاتهامات الأمريكية الصريحة -يربط هذه الظواهر باستخدام مواد محظورة، لكن التوقيت وحده كان كافيًا لإشعال خطاب عام أكثر حدّة. السؤال هنا لم يعد، هل استخدمت أسلحة كيميائية؟ بل، لماذا لا توجد آلية مستقلة واحدة قادرة على الإجابة؟ فالدول المصادِقة تملك حق طلب التفتيش، وحق النفي عبر المؤسسات، أما الدول غير المصادِقة فتكتفي بالنفي السياسي، وهو نفي لا يصمد طويلًا في حروب القرن الحادي والعشرين. إن الإصرار المصري على ربط الانضمام للاتفاقيات بإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط قد يكون منطقيًا نظريًا، لكنه عمليًا يضع القاهرة في موقع دفاعي كلما اندلع نزاع إقليمي، وكلما ذُكرت وحدات، وتواريخ، ومسارح عمليات، لا تجد من يحقق فيها. وفي عالم لا يُدار باليقين بل بالقرائن، يصبح الغموض مسؤولية سياسية، لا مجرد خيار سيادي. وقد يكون السؤال الأكثر إلحاحًا الآن: هل ما زال ثمن البقاء خارج منظومة الحظر أقل من ثمن الاتهام المتكرر؟ خالد عبيد لندن شارك تصفّح المقالات عبدالعزير بخات المحامي بكتب …الأحزاب وصمت الدم