بدا لي يوم الجمعة الماضي في عنتيبي، وكان سؤال الهوية قد بدأ يطرق بعنف وحدة على أبواب عتيدة ظلت موصدة منذ استقلال البلاد، وأن بوصلة معلقة في هذا الفضاء المر قد بدأت تشير هي أيضاً بدقة نحو الاتجاه جنوباً، تصيح: “أنا سوداني، أنا أفريقي”، هكذا فقط، بلا زيادة ولا نقصان. عموماً، يبدو أن حقائب ما تُحزم الآن استعداداً لمغادرة قافلةُ بعضٍ من أهل السودان لصحاري ربع العرب الخالي، إلا من خطوط حمراء باهتة لا زالت تحبرها القاهرة، في رحلة يحدوها أمل التوغل نحو أدغال قارة المستقبل السمراء. التعايشي، رئيس وزراء حكومة تأسيس، يدعو لتجاوز الخط الرأسي المعلق بوهم العروبة إلى خط أفقي مقابل، يرتسم على أرض “سوادين” الحقبة الاستعمارية القديمة، من الساحل إلى تخوم هضاب الحبشة. محمد حمدان دقلو قالها في ذات القاعة على طريقته الخاصة: “نحن منذ اليوم سودانيون وأفارقة، والطاقية اللي لبسونا ليها دي تاني ما بتنفع معانا”. كما بدا لي أن خلاصات تجربة حميدتي الشخصية والمؤسسية مع هؤلاء الإسلاميين قبل الحرب قد ألقت هي أيضاً بظلالها على مواقفه الحالية. تأمل قوله: “الحركة الإسلامية أرادت استخدامنا لقمع الثورة، وعندما رفضنا قررت التخلص منا عبر هذه الحرب، لكن إرادة الله كانت أكبر منهم”. وقوله أيضاً: “الشريعة بتاعت الكيزان هي التي فصلت جنوبنا الحبيب، وتاني نحن ما عندنا حاجة غير العلمانية والفدرالية، عشان نعيش بسلام ونحافظ على السودان”. وإلى أن قال حميدتي: “نحن لن نسمح بوجود الحركة الإسلامية، وداعمين مشروع ترامب الذي تحدث فيه بوضوح: أن لا مكان للإخوان المسلمين وعناصر النظام السابق، وبإذن الله سنخلص الشعب السوداني من هذا السرطان”. حميدتي لم يقل مثل هذه الأقوال اليوم فقط، بل إنه قد قال مثلها قبل الحرب، رغم أنها قد جاءت حينذاك بنبرة أقل حدة، يبدو لاختلاف الظروف والتقديرات والاعتبارات. ولذا أتصور أن خطاباً قديماً لدقلو وضع فيه إصبعه على الجرح تماماً، كان هو دافع الإسلاميين المباشر لإعلان هذه الحرب عليه، بل وللعمل بجدية من بعد على إنهاء حياته ذاتها. فقد قال حميدتي بصريح العبارة وهو نائب البرهان آنذاك: “لقد حكمتم هذه البلاد بغير وجه حق لثلاثين عاماً، قسمتم فيها السودان لبلدين، نشرتم فيها الفساد والاستبداد، أثَرتم فيها الفتن القبلية والاجتماعية حتى ثار ضدكم الشعب وأسقطكم. أقول لكم ارفعوا أيديكم عن الفتنة في المؤسسة العسكرية وفي أوساط المجتمع السوداني، واتركوا هذا الشعب ينعم بفترة انتقال سياسي مستقر يختار في نهايتها من يحكمه دون تزوير وتزييف”. فضلاً عن أنه كان قد أعلن كذلك قبل الحرب عن انحيازه التام والكامل لجانب ألد أعداء الإخوان، قوى “ثورة ديسمبر” التي أطاحت بحكمهم في العام 2019، بقوله: “حينما رأيت شباب وشابات ثورة ديسمبر المجيدة، لم أتردد في الوقوف في صفهم ضد ظلم النظام البائد واستبداده وفساده، رأيت أنني أشاركهم رغبتهم في التغيير إلى الأفضل وبناء السودان. حاولت ما استطعت فأصبت حينها وأخطأت أحياناً، آخرها خطأ انقلاب ٢٥ أكتوبر، الذي تبين لي منذ يومه الأول أنه لن يقود لما رغبنا فيه أولاً بأن يكون مخرجاً من الاحتقان السياسي ليصبح للأسف بوابة لعودة النظام البائد، مما دفعني لعدم التردد في العودة عنه إلى الصواب، وأن أرغب بصدق في الخروج من السلطة السياسية وتسليمها لسلطة مدنية انتقالية، وهو أمر تعاهدت عليه مع السيد الرئيس الفريق أول عبدالفتاح البرهان وقيادة القوات المسلحة السودانية، ولن أعود عنه أبداً”. المهم، أعتقد أن أخطر ما جعل هذه النخبة المركزية التاريخية كلها، من إسلاميين وغيرهم، تتوجس من وجود حميدتي على قيد الحياة هو ما جاء في خطاب أعتقد أنه قد وضع فيه قدماً على طريق “ثورة الهامش” يوم أن قال: “أنا ابن بادية بسيط، نشأت في أقاصي هوامش السودان ولم أحظَ من الدولة سوى بعنفها تجاه مجتمعاتنا، وتجاهلها لحقوقهم الأساسية. ولقد تعلمت في مدرسة الحياة الكثير من الدروس، أهمها أن المسار القديم للسودان غير عادل وغير منصف”. مقولته أن المسار القديم للسودان “غير عادل وغير منصف”، ربما كانت هي نقطة التحول الجذري في مساره هو نفسه، الذي أدى لتبنيه مشروع التنقيب والبحث عن سودان جديد مختلف، مع حليفه الرئيسي الحالي عبدالعزيز الحلو، مع شركاء آخرين بالطبع. ونواصل – شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تتحدث عن كواليس ظهور دقلو وتكتب : الجدار الخفي !! الحكومة المدنية ومأزق إخوان السودان.. قراءة في طرح مسعد بولس