عبد المنعم سليمان 

 

في إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي، قدم مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مقاربة سياسية متكاملة للحرب بالسودان، واضعاً الحكومة المدنية والانتخابات في صلب أي تسوية ممكنة، ونافياً بصورة قاطعة جدوى الخيار العسكري

 

أول ما يلفت في طرح بولس هو تأكيده أن مستقبل السودان يجب أن يكون بيد المدنيين، لا عبر معادلة غلبة عسكرية لطرف على آخر.

 

هذه الإشارة لا تستهدف فقط طرفي الحرب، بل تضرب في العمق فكرة إعادة إنتاج الحكم عبر التحالف بين السلاح والسياسة. فالحكومة المدنية التي دعا إليها ليست مجرد واجهة انتقالية، بل سلطة إصلاحية تتبنى آليات للمساءلة، وتفكيك شبكات النفوذ التي عطّلت الدولة وأبقت مؤسساتها رهينة للاستقطاب.

 

وفي هذا السياق، كان حديثه عن الشبكات المرتبطة بالنظام السابق والحركات الإسلامية، بما في ذلك شخصيات ذات صلة بتنظيم “الإخوان”، بالغ الدلالة. فهو لم يوجّه الاتهام من زاوية أيديولوجية، بل من زاوية وظيفية: فهذه الشبكات عملت خلف الكواليس لاستعادة مواقع داخل مؤسسات الدولة والبنى العسكرية، وأسهمت في تغذية الاستقطاب، بل وفي تسهيل تدفقات دعم وسلاح أطالت أمد الحرب.

 

بهذا المعنى، يضع بولس مستقبل هذه القوى في اختبار سياسي مزدوج: إما الانخراط في عملية شفافة تخضع للمساءلة، أو الخروج من معادلة الحكم.

 

أما في ما يتعلق بالانتهاكات، فقد شدد على ضرورة تطبيق المساءلة على جميع مرتكبيها “بغض النظر عن انتماءاتهم”. هذه العبارة تكتسب أهميتها في سياق الجدل السوداني، إذ ترفض سردية تحميل طرف واحد المسؤولية، وتؤسس لمقاربة عدلية متوازنة تضع الضحايا في المركز لا الحسابات السياسية.

 

وفي ملف الانتخابات، دعا بولس إلى تحضير انتخابات نزيهة تحت إشراف دولي، مع اعتماد الشفافية معياراً أساسياً للتنافس. وهو طرح يربط الشرعية القادمة بصندوق اقتراع مراقَب، لا بوقائع الميدان.

 

وأخيراً، فإن إشارته إلى العمل مع شركاء من بينهم الإمارات ومصر والسعودية وبريطانيا تؤكد أن ما يُعرف بالرباعية لا يزال فاعلاً في الملف السوداني، خلافاً لما يُروَّج عن انكفائه أو احتكار دولة بعينها للمشهد. إنها رسالة بأن التسوية، إن جاءت، فستكون نتاج توازن إقليمي ودولي، لا صفقة منفردة.

 

في المحصلة، لا يبدو نجاح أي مسار مدني أو انتخابي في السودان رهيناً فقط بتفاهمات القوى الداخلية التقليدية، بل مشروطاً بإبعاد التيار الإسلامي وشبكاته المرتبطة بالنظام السابق عن مراكز التأثير في القرارين السياسي والعسكري، بعد أن أسهمت هذه الشبكات في إشعال الحرب وتعطيل الانتقال وإطالة أمدها سعياً لإعادة تشكيل المشهد بما يتيح لها العودة إلى السلطة.

 

وعليه، فإن أي تسوية سلمية حقيقية تقتضي تفكيك أدوات هذا التعطيل وضمان عدم استخدام مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية كجسر لإعادة إنتاج الأزمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *