وبيننا وبين “مجموعة بورتسودان” سنوات ضوئية التعايشي : نحن لا نبحث عن اعتراف خارجي بل عن “تموضع” للسودان في حضنه الإفريقي. رئيس وزراء “حكومة التأسيس”: بورتسودان تحكم بـ “بوت العسكر” ونحن نستمد شرعيتنا من المجتمعات. أي تسوية يجب أن تقود إلى بناء جيش مهني جديد من يرفض السلام الذين يخشون فقدان امتيازاتهم التاريخية في متابعة دقيقة لمستجدات الراهن السوداني، رصدت “نبض نيوز” حواراً استثنائياً للسيد محمد حسن التعايشي، رئيس وزراء “حكومة التأسيس” وعضو مجلس السيادة السابق. يضع التعايشي في هذا اللقاء النقاط على الحروف فيما يخص أعقد ملفات الأزمة، كاشفاً عن رؤية “تحالف التأسيس” لإنهاء الحرب عبر “بناء مؤسسة عسكرية جديدة” وفك الارتباط مع موروث النظام السابق. كما يتطرق الحوار إلى المسارات الدولية المتعثرة والرهان القائم على المبادرة الرباعية كطوق نجاة أخير للسودانيين وتناول الحوار أبعاد الأزمة السودانية الراهنة، ومفهوم الشرعية، ورؤية الحكومة الجديدة لإدارة الموارد وبناء الدولة على أسس مغايرة للأنماط التاريخية التي أدت للنزاع المسلح. نص الحوار أهلاً بكم. السودان دولة على حافة التآكل؛ مؤسسات تتفكك، حرب مفتوحة، والسلطة يتنازعها السلاح قبل السياسة. الأزمة الإنسانية تتسع، بينما الخريطة السياسية يُعاد صياغتها تحت أزيز الرصاص ودوي المدافع وقصف “المسيرات”. فالأزمة في السودان لم تعد صراعاً على السلطة، بل صراعاً على مفهوم الدولة؛ من يمثل من؟ من يحكم؟ ومن يملك الشرعية؟ بقلب هذا المشهد المعقد، نجري أول مقابلة تلفزيونية مع رئيس وزراء “حكومة التأسيس” السيد محمد حسن التعايشي. نضع أمامه جملة من التساؤلات واجبة التوضيح. أهلاً بك معنا دولة الرئيس. شكراً جزيلاً، وشكراً لسكاي نيوز عربية على هذه المقابلة، وأنا سعيد أن تكون هذه المقابلة الرسمية الأولى عبر شاشتكم. كنت سأبدأ معك هذه المقابلة بسؤال عن الاعترافات؛ من يعترف بكم اليوم ومن تنتظرون اعترافه؟ ولكن المقابلة تجرى تزامناً مع أول زيارة خارجية رسمية ومعلنة لكم إلى أوغندا. بالتالي، كيف يمكن توصيف هذه الزيارة من قبلكم ربطاً بمسألة الاعترافات هذه؟ أوغندا بلد مهم بالنسبة للسودان، وبلد عنده ارتباطات تاريخية وثيقة بنا. وزيارة حكومة السلام وقيادات التأسيس لأوغندا هي اختراق سياسي مهم. هي لا تأتي في إطار البحث عن شرعية، لأن مفهومنا للشرعية فيما يتعلق بالسلطة قائم على تأييد المجتمعات وليس تأييد الدول. الدول في النهاية مجبولة على قبول إرادة الشعوب، هذه هي النظرية الأساسية للقانون الدولي. لكن زيارتنا لأوغندا تأتي في إطار البحث عن جذور التموضع للدولة السودانية في إقليمها الإفريقي ومحيطها الإقليمي؛ هذا الإقليم الذي انسلخت منه لعوامل أيديولوجية وسياسية لفترة طويلة، وخسر السودان الكثير، ويجب أن يعود قريباً. ولكن ما الذي يميز حكومتكم، حكومة التأسيس، عن أي كيان سياسي أو مشروع سياسي آخر ولد أيضاً من رحم هذه الحرب، كـ “سلطة بورتسودان” مثلاً؟ هناك اختلافان جوهريان؛ الاختلاف الأول أن سلطة بورتسودان هي سلطة تحايلت على شرعية ثورة ديسمبر، ثم تحايلت على الانقلاب، ثم تحايلت على السيطرة على السلطة عبر الحرب. أما “تأسيس حكومة السلام” فهي استجابة لحالات ضرورية لحاجة المجتمعات في قضاياهم الحياتية والأساسية. الناحية الثانية هي مساهمة موضوعية لكيفية إيقاف الحروب وتأسيس دولة على أسس جديدة تعالج الاختلالات الجوهرية. بورتسودان تبحث عن سلطة زائفة على أسنة الرماح وتحت بوت العسكر، ولكننا نبحث عن شرعية الشعوب وعن الطريق الجديد لبناء الدولة. أهم مطالبات الشارع السوداني في ثورة ديسمبر كانت “مدنية الدولة”، وهو مشروع تعطل أثناء الانتقال ولم يكتمل واختفى الآن. ما هي أسس حكومة التأسيس التي تثبت أنها مع مدنية الدولة؟ وهل أنتم سلطة موازية؟ دعني أجيب من زاويتين؛ الأولى هي زاوية عدم الاستقرار السياسي؛ فالأساس هو تدخل المؤسسة العسكرية في المسار السياسي والمدني، وهي حالة هيمنت على البلاد منذ سبعين عاماً، حيث قضى السودان أكثر من 56 عاماً تحت سيطرة العسكر المسؤولين أيضاً عن تأجيج الحروب. الزاوية الثانية متعلقة بالشرعية؛ هل هي شرعية المجتمعات أم شرعية القوة؟ معظم حالات الهيمنة في السودان قامت على “شرعية الغلبة بالسلاح”، وهذه الظاهرة يجب أن تتوقف. “تأسيس” لا تبحث عن حلول فوقية، بل تبحث عن جذور الحروب الأهلية، وهي ليست مشروع سلطة بل مشروع بناء. هناك من سيقول لك: إن كانت سلطات بورتسودان تستند إلى القوة العسكرية للجيش، فحكومة التأسيس تستند أيضاً إلى قوات عسكرية (الدعم السريع والحركة الشعبية والمتحالفين)؟ القوة العسكرية ليست جديدة، ولم تبدأ بـ 15 أبريل. ولكن السؤال الجوهري في “أهداف” استخدام القوة؛ الجيش استخدمها للسيطرة على السلطة، بينما عرف السودانيون المقاومة بالسلاح منذ 1955 لرفع الظلم. السؤال المهم الآن: من المستعد لدفع استحقاق السلام؟ هل القوة تُستخدم لإبطال السلام والهيمنة؟ أم لإتاحة فرصة لبناء السلام ورفع الظلم؟ هذه مفارقة جوهرية في المعادلة. الحكومة تحتاج إلى دعم وتمويل. من أين تحصلون على التمويل لهذه الحكومة؟ ومن يدعمكم خارجياً بالنظر لصراع السلطة والثروة؟ تأسيس حكومة السلام ليست بحاجة لأي موارد تمويل خارجية. لكن الخدمات التي تقدمها مناطقكم تحتاج إلى تمويل؟ أحد أسباب الحرب هو استغلال موارد هذه المجتمعات لمصلحة مجموعة معينة؛ جهاز الدولة كان يعمل دون عدالة في توزيع الموارد. نحن نجلس على أكبر كتلة موارد في السودان؛ آبار النفط في “هجليج” تنتج متوسط 22 ألف برميل يومياً بقيمة تصل لـ 42 مليون دولار شهرياً، بالإضافة لـ 22 مليون دولار شهرياً رسوم عبور أنابيب الجنوب التي يمر أغلبها في مناطقنا. هذا العائد يكفي لمقابلة الاحتياجات الأساسية في التعليم والصحة وحماية المدنيين. نحن نحتاج لتوظيف الموارد المحلية لا التمويل الخارجي. بدأتم في تقديم هذه الخدمات الآن؟ طبعاً، بدأنا في تقديم هذه الخدمات جميعاً. مشروع امتحانات الشهادة السودانية في مناطقنا ليس مجرد قرار فوقي، بل هو تسخير لإمكانات الدولة لمصلحة قضية التعليم الملحة. هناك حديث عن اتفاق حول حقول “هجليج” يجمعكم بالجيش ودولة الجنوب، كيف تم ذلك؟ ليس صحيحاً أن هناك اتفاقاً مع الجيش. ما حدث هو التزام مبدئي تجاه شعب جنوب السودان. عندما تقدمت قواتنا نحو هجليج، اتصلنا بالأشقاء في الجنوب لضمان عدم تدمير البنية التحتية لأن تضررها كارثة على الجميع. التفاهم كان بيننا وبين جوبا فقط، وهم من تواصلوا مع بورتسودان بطريقتهم. نحن حرصنا على استقرار الإقليم. مشروع “التأسيس” هو مشروع وحدة بامتياز ما هو موقفكم الحقيقي من الأصوات التي تتحدث عن الانفصال والتقسيم؟ مشروع “التأسيس” هو مشروع وحدة بامتياز، قائم على تعضيد وحدة الشعوب السودانية وإدارتها في إطار التنوع. الوجدان السوداني وحدوي بطبعه، لكن السياسات المركزية الفاشلة هي التي كانت تدعو للانقسام. نحن نصون الوحدة عبر عقد اجتماعي جديد وتعريف جديد للدولة. ما طبيعة علاقاتكم الدولية في ظل هذا الاستقطاب الحاد؟ الحرب تجربة خطيرة، وإذا اتبعنا سياسة ردود الأفعال سنفقد بوصلتنا الاستراتيجية. نحن منفتحون على الجميع لبناء السودان على أسس جديدة وضمان استقلالية الدولة. لا ينبغي لأي جهة أن تتدخل في سياساتنا المحلية، ونحن قادرون على بناء دولة تدير مصالحها بناءً على مصالح شعوبنا بعيداً عن أي أيديولوجيا. ما موقفكم من المبادرات المطروحة؛ منبر جدة، الرباعية، جنيف، والإيجاد؟ تعاملنا معها بمسؤولية. كنا الأكثر حرصاً على منبر جدة، لكن وفد الجيش غادر ولم يعد. نحن نؤمن بأن أي تسوية يجب أن تقود إلى بناء جيش جديد مهني يبتعد عن السياسة، وبناء دولة مدنية ديمقراطية. من يرفض السلام هم من يخشون فقدان امتيازاتهم التاريخية. وحتى مبادرة من “موسيفيني” كما فهمنا أثناء زيارتكم لكمبالا، كيف تعاملتم معها؟ استجبنا لجميع المبادرات الإقليمية والدولية بمسؤولية. حتى عندما نعود إلى مرجعيات “مبادرة جدة”؛ نحن كنا الأكثر حرصاً على مواصلة الحوار تحت مظلتها، ووافقنا على الإعلان الإنساني، لكنه لم يطور ليصبح اتفاق هدنة. على العكس، كنا منفتحين لأن منبر جدة كان يهدف للوصول إلى هدنة إنسانية. وما موقف القوى المدنية في ذلك الوقت؟ كانت القوى المدنية كلها تدعم جدة. نحن لم نكن جزءاً من “الاتفاق الإطاري” (الذي كان بين الدعم السريع والجيش)، ولكن كقوى مدنية جميعنا خرجنا في العلن ودعمنا منبر جدة. وأتذكر في ذلك الوقت أن الدعم السريع كان جاداً جداً في الحوار في جدة؛ حيث كان أول من استجاب لجدة وآخر من غادرها. أنا أذكر تماماً أن جدة وصلت إلى صيغة الإعلان الإنساني، وكان الطموح أن نصل إلى اتفاق هدنة إنسانية يقود إلى وقف العدائيات. وفعلاً طُرح مشروع وقف العدائيات، وطلب وفد الجيش إجراء بعض المشاورات، وفعلاً ذهب الوفد ولم يعد مطلقاً. أتذكر وقتها تصريحات “مالك عقار” حول منبر جدة حين قال: “لا جدة ولا جدادة”. الرهان على “الرباعية” والدور الأمريكي القادم ما موقفكم من المبادرة “الرباعية الدولية” والتحركات التي يقوم بها مستشار ترامب ومولي في؟ المبادرة الفاعلة الآن هي “الرباعية الدولية”، وهي الورقة الأقرب إلى حل الأزمة السودانية. نحن نوافق على الرباعية كإطار للمبادرة نحو السلام في السودان، ونوافق عليها كمبادرة لهدن إنسانية، ثم الذهاب إلى عملية سلمية شاملة. نحن نثق في الولايات المتحدة الأمريكية وقيادتها للرباعية، ونثق في الرئيس ترامب واهتمامه بملف السودان، ونثق في سياسات الحزب الجمهوري الأمريكي في أنه يدعم اتجاهات السلام؛ ولذلك نحن متمسكون بالمبادرة الرباعية وبالإعلان الأول الذي أعلنته، ونعتقد أن تلك المبادئ تصلح لأن تكون أساساً لهدنة إنسانية ولعملية سلمية شاملة. اليوم وجود الدعم السريع في هيكلية “تحالف التأسيس”، إلى أي درجة قد ينعكس على استقلالية عمل “حكومة التأسيس”؟ هناك من يقول إن هذه الحكومة هي حكومة الدعم السريع فقط؟ ليس صحيحاً أن هذه الحكومة هي حكومة الدعم السريع، وهذا تبسيط مخل. وفي كثير من الأحيان تصدر من الناس تصورات سطحية تجاه الصراع في السودان. الدعم السريع قبل أن يكون حركة عسكرية، هو مشروع سياسي واجتماعي ضخم جداً. لقد ساهم مساهمة فعلية في بناء وبلورة “الكتلة التاريخية” التي انشغلنا بتأسيسها، وساهم في خلق تحالف متجذر بين مجتمعات البدو والمزارعين، وبين مجتمعات غرب السودان وشماله، وبين مجتمعات الصحراء ومناطق السافانا الفقيرة والغنية. هذا تنوع ساهم فيه الدعم السريع ليس كمنظومة عسكرية، بل كإطار مجتمعي عريض. معضلة الجيش والإسلاميين: “سلخ جلد النملة” سأسألك عن تحالف آخر؛ تحالف الإسلاميين مع الجيش، وتصريحات المسؤولين الأمريكيين الأخيرة حول ذلك.. كيف تنظرون للأمر في وقت تُتهمون فيه بأن معركتكم هي تصفية حسابات مع الإسلاميين كما حدث في “لجنة إزالة التمكين”؟ أولاً، نحن لا نملك تصفية حسابات مع الإسلاميين، ولا حتى أيام الفترة الانتقالية كانت سياسات لجنة التمكين تصفية حسابات. ما نقوم به هو محاولة تفكيك “دولة الإسلاميين” التي هيمنت على المؤسسات منذ 1989 وحولتها من دولة السودانيين إلى دولة تابعة لهم. أما قضية الجيش؛ فمن الذي يهيمن عليه؟ هل هو الجيش المتحالف مع الإسلاميين؟ الحقيقة هي أنه منذ 1989 تحول الجيش تدريجياً إلى ذراع عسكري للحركة الإسلامية. المحاولة التي يتكلم عنها بعض الناس بـ “تحرير الجيش من الإسلاميين” هي محاولة فيها تبسيط مخل جداً وهي عملية مستحيلة؛ تشبه “سلخ جلد النملة”، لأن الحركة الإسلامية هي الجيش، والجيش هو ذراعها العسكري. وفق هذا التوصيف، هل يعني أنكم غير مستعدين لأي تسوية تشمل هذه القيادات أو الحركة الإسلامية؟ وهل لن تتفاوضوا مع الجيش إن كان مسيطراً عليه من هذه القيادات؟ الحركة الإسلامية لن تكون جزءاً من أي مشروع تسوية سياسية شاملة في السودان؛ لأنه لا يمكن تحقيق سلام إذا كان الإسلاميون طرفاً فيه. لهذا توصلنا لنقطة جوهرية: أي تسوية سياسية يجب أن تقود إلى “بناء جيش جديد”، لأن فكرة إصلاح المؤسسة العسكرية نفسها فكرة غير واقعية وغير منطقية. نحن نتكلم عن بناء مؤسسة عسكرية بأسس جديدة، قومية، ومبتعدة تماماً عن الممارسة السياسية والأعمال الحزبية. عندما يقول مستشار ترامب للشؤون العربية والإفريقية إن القادم انتقال مدني يقوده سياسيون وأطراف غير محسوبة على طرفي النزاع، أين تجدون أنفسكم في هذا التوصيف؟ وهل يشملكم أم أنكم محسوبون على طرف؟ هذا التوصيف يشملنا بامتياز، وهذا مشروعنا الأساسي. عندما طرحنا مشروع التسوية قلنا يجب أن يشارك فيها جميع السودانيين ما عدا الحركة الإسلامية وواجهاتها. وأعتقد أن بيان الرباعية تكلم بوضوح حول أنه “لا مكان للإسلاميين في أي تسوية قادمة”، ونحن نتفق مع ذلك. كما يجب أن تقوم التسوية على أسس متينة، منها بناء جيش جديد وتأسيس سلطة انتقالية عمادها السودانيون المدنيون والديمقراطيون. هل نحن قريبون من هذه التسوية؟ نهاية الحرب قريبة أم ما زالت بعيدة في ظل تضارب الأنباء والتصريحات؟ إنابة عن حكومة السلام والتأسيس؛ نحن أقرب ما نكون إلى هدنة إنسانية تفتح الطريق نحو سلام شامل. أما إذا كان الحديث عن المواقف المعلنة لـ “مجموعة بورتسودان”، فأعتقد أن بيننا وبينهم سنوات ضوئية للأسف الشديد. شارك تصفّح المقالات عبدالعزير بخات المحامي بكتب ….لماذا لم نجدة عباره صنع في السودان سؤال لم يجد إجابة