آدم أديب

 

 

يقف السودان اليوم عند واحدة من أخطر لحظاته التاريخية، حيث لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى تهديد وجودي يطال الدولة والمجتمع معًا. وفي ظل قرارات دولية متسارعة—وفي مقدمتها التحرك الأمريكي—يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام فرصة إنقاذ، أم إعادة تدوير للأزمة؟

أولًا: طبيعة الانقسام – أزمة دولة لا أزمة سلطة

المشهد السوداني اليوم يعكس:

تعدد الجيوش والقوى المسلحة

انهيار الثقة المجتمعية

ضعف مؤسسات الدولة

تصاعد الانقسامات الجهوية

وهو ما يجعل الأزمة أعمق من مجرد تسوية سياسية.

ثانيًا: لماذا هذا التوقيت الأمريكي؟

التحرك الأمريكي جاء نتيجة:

الخوف من تحول السودان إلى بؤرة فوضى إقليمية

حماية المصالح في البحر الأحمر والموارد

احتواء التنافس الدولي

فشل الحلول الداخلية

ثالثًا: دروس من تجارب دولية ناجحة ومتعثرة

عند النظر إلى تجارب مثل جنوب أفريقيا، نجد أن الخروج من الانقسام لم يتم عبر الإقصاء، بل عبر المصالحة المرتبطة بالعدالة الانتقالية، حيث تم الاعتراف بالانتهاكات ومواجهتها علنًا.

وفي رواندا، لم يكن الاستقرار نتيجة اتفاق سياسي فقط، بل نتيجة بناء دولة قوية ومشروع اقتصادي وحد المجتمع بعد الانقسام الحاد.

في المقابل، تُظهر تجربة البوسنة والهرسك أن التدخل الدولي نجح في إيقاف الحرب، لكنه أنتج نظامًا سياسيًا معقدًا وضعيف الفعالية.

أما لبنان، فقد أدى نظام المحاصصة إلى تثبيت الانقسام بدل معالجته، رغم توقف الحرب.

رابعًا: دروس مباشرة من التجارب العربية

التجارب العربية الأقرب للسودان تقدم تحذيرات أوضح:

في العراق، أدى نظام المحاصصة إلى ترسيخ الانقسام وإضعاف الدولة، حيث أصبحت السلطة موزعة بدل أن تكون موحدة.

وفي ليبيا، أدى انتشار السلاح وتعدد الحكومات إلى انهيار مركز الدولة وتحول الصراع إلى صراع شرعيات.

أما اليمن، فقد فشلت التسويات السياسية المتكررة لأنها لم تعكس الواقع الفعلي لموازين القوة.

وفي تونس، ورغم النجاح النسبي في البداية، فإن غياب الاستقرار المؤسسي والاقتصادي أدى إلى تراجع المسار السياسي.

بينما في الجزائر، تحقق الاستقرار، لكنه ظل مرتبطًا بغياب إصلاح سياسي عميق.

خامسًا: ماذا تعني هذه النماذج للسودان؟

عند جمع هذه التجارب، تتضح مجموعة من الحقائق:

لا يمكن بناء دولة مع تعدد السلاح (كما حدث في ليبيا واليمن)

المحاصصة تؤدي إلى شلل دائم (كما في العراق ولبنان)

المصالحة تحتاج إلى عدالة (كما في جنوب أفريقيا)

الاقتصاد عنصر حاسم للاستقرار (كما في رواندا)

التدخل الدولي محدود التأثير (كما في البوسنة)

سادسًا: الخطة السودانية للخروج من الانقسام

1. احتكار الدولة للسلاح

2. عدالة انتقالية حقيقية

3. نظام سياسي بلا محاصصة

4. مشروع اقتصادي وطني

5. علاقة متوازنة مع الخارج

الخلاصة

السودان لا يحتاج إلى استنساخ تجربة جنوب أفريقيا أو رواندا، ولا إلى الوقوع في أخطاء العراق أو ليبيا،

بل يحتاج إلى بناء مسار خاص به—يتعلم من الجميع دون أن يكرر أحدًا.

الخاتمة

السودان اليوم على تخوم التغيير…

والسؤال لم يعد: هل هناك حلول؟

بل: هل هناك إرادة لتطبيقها؟

آدم أديب

📧 arbah1332@gmail.com

🏛️ مركز شركاء التغيير والمستقبل للدراسات الاستراتيجية

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *