الطيب الزين مجزرة الضعين ليست مجرد حدث عابر، بل جرح جديد يُضاف إلى سلسلة الجراح في الوجدان السوداني، وشاهد على ظلام العقول وخراب النفوس التي خططت ونفذت هذا الفعل البشع. ففي أول أيام عيد الفطر المبارك، الأيام التي يُفترض أن تشرق فيها العقول وتتعافى النفوس وتسمو فيها القلوب فوق الجراح، إمتدت يد الإجرام لتستهدف مستشفى الضعين التعليمي بشرق دارفور، ملاذ المرضى والجرحى والنساء والأطفال، لا موقع مواجهة ولا ساحة حرب. وأسفر الهجوم عن استشهاد أربعة وستين نفساً بريئة، بينهم ثلاثة عشر طفلاً وثلاثة من العاملين في القطاع الصحي، وإصابة تسعة وثمانين آخرين، من بينهم ثمانية من الكوادر الطبية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل وجوه كانت تنتظر العيد بفرح بسيط يشبه حياة أهل دارفور، وأحلام كانت تمشي بين الناس قبل أن يقطعها رصاص الحقد. إن استهداف المستشفيات جريمة حرب وفق القانون الدولي الإنساني، لكنه في السياق السوداني يحمل معنى أعمق: إنه تعبير عن عقلية لا ترى في الإنسان قيمة، ولا في الحياة حرمة، ولا في الوطن معنى. الأفعال تدل على الفاعل، وهذه الجريمة تكشف بوضوح طبيعة المشروع الذي يغذي العنف ويبرره ويعيد إنتاجه. وهي جريمة لا يمكن فصلها عن البنية العنصرية التي ظلت تتغذى عليها بعض المجموعات، تلك البنية التي تقسم السودانيين على أساس العرق والانتماء، وتمنح نفسها حق تقرير من يستحق الحياة ومن يجوز سحقه. فالعقل الذي يستهدف مستشفى يعج بالمرضى هو ذاته العقل الذي يرى بعض أبناء الوطن أقل قيمة، ويعتبر قتلهم أمراً عادياً أو ضرورياً. هذه العنصرية ليست خطاباً عابراً، بل ممارسة قاتلة، وهي التي تُحوّل المستشفى—رمز الحياة—إلى ساحة موت، وتحوّل الطفل إلى هدف، والطبيب إلى خصم. لكن مهما بلغ الحقد، ومهما اشتد اليأس الذي يدفع إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم، فإن إرادة الشعب السوداني لن تُكسر. هذا الشعب الذي قاوم الاستبداد لعقود، وواجه القمع بصدور عارية، وخرج من كل محنة أكثر وعياً وصلابة، لن يقبل حياة التبعية والعبودية، ولن يسمح لمشروع يقوم على العنصرية والعنف أن يحدد مستقبله. إن الجريمة التي ارتُكبت في الضعين تعبر عن يأس مرتكبيها أكثر مما تعبر عن قوتهم، وعن خوفهم من شعب يعرف طريقه، ويعرف أن الحرية حق، وأن الكرامة غير قابلة للمساومة. فالشعوب لا تُهزم بالرصاص، ولا تُروّض بالمجازر، ولا تُجبر على الركوع مهما طال ليل القتلة. إن إدانة هذه الجريمة ليست موقفاً سياسياً، بل واجباً أخلاقياً وإنسانياً تجاه الضحايا وتجاه الوطن. والصمت عليها مشاركة غير مباشرة في استمرارها. السودان لن ينهض ما لم تُحاسَب هذه الجرائم، وما لم يُكسر هذا النمط من التفكير الذي يرى في الدم لغة وفي الخراب مشروعاً. وستظل مجزرة مستشفى الضعين شاهداً على أن الظلام لا يصنع دولة، وأن العنصرية لا تبني مجتمعاً، وأن من يستبيح المستشفى اليوم لن يتردد في استباحة الوطن كله غداً. لكن صوت الضحايا سيظل يطالب بالعدالة، وإرادة الشعب ستظل أقوى من كل محاولات الإخضاع، والحرية ستبقى أفقاً لا يمكن إغلاقه مهما طال الليل. الخزي والعار للقتلة الأشرار. الطيب الزين شارك تصفّح المقالات في إحترام دولة ٥٦ من “العجز الميداني” إلى حرب “استهداف المجتمع”