الجميل الفاضل تَصوَّر كيف أن هذا الرجل، بسيطَ المظهر، ذو الثوب البدوي الأبيض، قد أطلق سبعَ رصاصاتٍ، مبنيةً دائماً على مجهولٍ ما، من منصة حرف «السين»: «سوف» و«سوف» و«سوف»… خرجت كأنها سبعُ تعاويذَ رماها هذا الرجل بوجه الزمن. قائلاً: «من الأفضل للشعب السوداني أن يمرَّ بتجربة حكم جماعة الهوس الديني». (1) وسوف تكون تجربةً مفيدةً للغاية. (2) وسوف تكشف لهذا الشعب مدى زيف شعارات هذه الجماعة. (3) وسوف تسيطر هذه الجماعة على السودان اقتصادياً وسياسياً، ولو بالوسائل العسكرية. (4) وسوف يذيقون الشعب الأمرَّين. (5) وسوف يُدخلون البلاد في فتنةٍ تُحيل نهارها إلى ليل. (6) وسوف تنتهي بينهم. (7) وسوف يُقتلعون من أرض السودان اقتلاعاً. أتصوّر أننا قد ولجنا بالفعل، منذ أبريل 2023، «نفق الفتنة» الذي يُحيل النهار ليلاً. ليُضحِي السودان، من ثم، مسرحاً ماركيزياً بامتياز: جنرالاتٌ يطاردون أشباحهم، وقصرٌ جمهوريٌّ يتجوّل فيه الفراغ. و«الرساليون»، أولئك الذين دلفوا من أبواب الكلية الحربية ذات فجرٍ مغدور، يكتشفون الآن أن بنادقهم، التي حشَوها بالأيديولوجيا، باتت ترتدُّ إلى صدورهم على نحوٍ ما. انظروا إلى مشهد «الدَّبَّة»؛ حيث يقف «المصباح» صبيحة العيد، يلوّح بسيفٍ من خشبٍ أمام إعصار التصنيفات الدولية. لغة جسده تحكي قصة «الجنرال الذي لا يجد من يراسله». هذا الجنرال، في النسخة السودانية، ربما هو البرهان في حيرته، أو المصباح الذي يرفض وضع سلاحه وخلع بزّته العسكرية، بينما الأرض من تحت كليهما تميد. ينسى المصباح أنه في زمن «الشرخ الرأسي» العظيم؛ ذلك الذي لم تعد فيه الحركة الإسلامية جسداً واحداً، بعد أن انفلَق رأسها إلى ثلاثة رؤوسٍ تتصارع داخل جرّةٍ واحدة: رأسٌ يُيَمِّم وجهه شطر «الباب العالي» في أنقرة، ورأسٌ يغفو على وسائد «الدوحة» الوثيرة، ورأسٌ انتحاريٌّ قرر أن يبيع آخر ما تبقّى من «الرسالة» في أسواق «طهران»، مقابل مسيّرةٍ انقضاضية، ربما تفتك اليوم حتى برؤوس إخوة الأمس أنفسهم. تُرى، هل ما يجري هو مقدمةٌ للفتنة التي ستنتهي بينهم، كما كُتب في «لوح شمبات المحفوظ»؟ المهم أن حالهم يشبه، إلى حدٍّ بعيد، حالَ عقاربَ محاصرةٍ في دائرة النار. بينما كبيرهم «البرهان» يقف حائراً بين اضطرار البتر واختيار الانتحار. كما أظن أن حتى «الضباط الرساليين» منهم قد باتوا يرون في وجودهم تحت السلاح عبئاً ثقيلاً، يطاردهم بكوابيس «الشيطان الأكبر» التي تخنق الأنفاس. على أية حال، فإنه خلف كل هذا الضجيج الأجوف، تقف، في هذا المنعطف، «منصة الاقتلاع الشعبي»: لا تصرخ، لا تهتف، بل تنتظر. تنتظر فقط لحظة انكسار «بندقية الحركة الإسلامية» تحت وطأة ما ران عليها من صدأ، ومن تبعات جرّها ارتهانُها العقائدي. أعتقد أن الشعوب السودانية باتت تشبه، إلى حدٍّ بعيد، شخصيات ماركيز التي تنتظر مطراً يأتي بعد مئة عامٍ من العزلة؛ وهي تدرك، بالضرورة، أن «الاقتلاع» القادم سيكون نتاج زلزالٍ وجدانيٍّ يقتلع الجذور التي سُقيت بدموع الأرامل ودماء الأبرياء. بل لعل النهار الذي وعد به صاحب الطاقية والرداء الأبيض قد أضحى، رويداً رويداً، يقترب، عبر قناة ليل أبريل الأسود، الذي ابتلع مؤقتاً نهارات ديسمبر المشبعة بالضياء. المهم أن الاقتلاع المرتقب سيأتي، لا لأن الخارج يريده فحسب، بل لأن «الزيف» الذي فُضح—وهو العتبة الثانية من نبوءة الرجل—لم يعد يجد هنا أرضاً تقبله. ولذا، فإن مملكة «الهوس الديني» ترقص الآن رقصة موتها الأخيرة، قبل أن تمسح الريح آثار مهووسيها من رمال السودان، كأنهم لم يكونوا سوى كابوسٍ طويلٍ انقشع مع أول خيوط الفجر. شارك تصفّح المقالات الأنظمة الثيوقراطية الفاشية ملة واحدة وإن اختلفت الملل !!