عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

 

إن ما يجري من إزالة للمنازل في السودان لا يمكن توصيفه كإجراء إداري مشروع أو ممارسة قانونية عادية بل هو انحراف خطير عن جوهر سيادة حكم القانون وانتهاك صارخ للحقوق الدستورية والإنسانية للمواطنين حيث إن الإطار القانوني المنظم لنزع الملكية واضح ومحدد بموجب قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930 الذي قصر سلطة إصدار قرار النزع على رئيس الجمهورية ولأغراض المصلحة العامة فقط مع الالتزام بالإجراءات الشكلية من نشر القرار في الجريدة الرسمية وضمان التعويض العادل

 

غير أن ما حدث في الخرطوم يمثل خروجا فاضحا عن هذا الإطار إذ تم استخدام الآليات الثقيلة لتدمير أحياء سكنية كاملة دون سند قانوني صحيح ودون قرارات نزع منشورة ودون تعويض ودون مراعاة لأبسط ضمانات العدالة والإجراءات الواجبة مما يحول الفعل من إجراء إداري إلى جريمة مكتملة الأركان

 

إن السلطات التي باشرت هذه الأفعال تجاوزت اختصاصها القانوني حيث لا تملك أجهزة الولايات أو المحليات سلطة نزع الملكية خارج حدود إزالة التعديات وفق قوانين التخطيط العمراني وبشروطها الصارمة ومع ذلك فقد تم توسيع هذا المفهوم بصورة تعسفية ليشمل أحياء مأهولة بالسكان المستقرين الأمر الذي يكشف عن نية مبيتة للإقصاء وليس التنظيم

 

الأخطر من ذلك أن عمليات التدمير لم تكن عشوائية بل اتخذت طابعا تمييزيا واضحا باستهداف مواطنين على أساس انتمائهم الجغرافي وهو ما يشكل جريمة تمييز واضطهاد ممنهجة حيث تم اقتلاع أسر كاملة من منازلها ودفعها إلى الشوارع دون مأوى في مشهد يعكس انهيارا أخلاقيا وقانونيا غير مسبوق

 

إن هذا السلوك لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة لا المصلحة العامة ولا التخطيط العمراني ولا أي اعتبارات أخرى إذ إن الحرب ليست سببا قانونيا لنزع الملكية أو هدم المنازل ولا تمنح السلطات رخصة مفتوحة لانتهاك حقوق المدنيين بل على العكس فإن القانون الدولي الإنساني يفرض حماية خاصة للمدنيين وممتلكاتهم ويحظر التهجير القسري إلا في أضيق الحدود ووفق شروط صارمة

 

وعليه فإن ما جرى يندرج تحت وصف الجريمة ضد الإنسانية لكونه يشمل التهجير القسري للسكان والاضطهاد على أساس الهوية والاستهداف الواسع النطاق لفئة محددة من المدنيين وهي أفعال مجرمة بموجب القانون الدولي الجنائي ولا تسقط بالتقادم وتستوجب المساءلة الجنائية الفردية لكل من أمر أو نفذ أو سهل هذه الانتهاكات

 

كما أن هذه الأفعال تشكل انتهاكا مباشرا للقانون السوداني ذاته الذي يكفل حماية الملكية الخاصة ويحظر نزعها إلا وفقا للقانون وبالتعويض العادل مما يجعل السلطات في موضع خصومة مع القانون الذي يفترض أن تحميه

 

إن تدمير المنازل بهذه الصورة ليس مجرد إزالة بل هو فعل اقتلاع للكرامة الإنسانية وتجريد للمواطن من حقه في الأمان والاستقرار وهو سابقة خطيرة في تاريخ السودان بل وفي الضمير الإنساني حيث تتحول مؤسسات الدولة من حامية للحقوق إلى أداة للهدم والتشريد

 

إن هذا الفعل محرم قانونا ومدان أخلاقا ومرفوض إنسانيا ولا يمكن السكوت عليه أو تبريره تحت أي غطاء ويجب اعتباره جريمة جسيمة تستدعي الوقف الفوري والمساءلة العاجلة وجبر الضرر الكامل للضحايا وإعادة الاعتبار لسيادة حكم القانون قبل أن يتحول هذا النهج إلى قاعدة تهدد وجود الدولة نفسها

 

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ ٢٨ /مارس 2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *