الجميل الفاضل

 

في خواتيم العام 1984، قبل أن يرمي الجمهوريون بحجرهم «هذا أو الطوفان» في بركة نظام النميري الآسنة، كان الدكتور تاج السر الترابي، يراقب حواراً فكرياً هادئا، في منزل الأستاذ محمود محمد طه بام درمان، قبل أن تسقط فجأة كلمة واحدة علي رأسه كالغيم، لتبقى متقدة بذاكرته كجمرةً، لم يطفئها تقادم السنوات.

كلمة سقطت كأنها قنبلة موقوتة، رمي بها الأستاذ محمود نفسه، قائلا:

> «إذا علمتم بأحداث وثمن اقتلاع جماعة “الهوس الديني” من جذورها من أرض السودان.. لما تمنيتم أن تدركوا ذلك الوقت!».

ليسأله احد تلامذته برهبة وفضولٍ: «وما شكل تلك الأحداث؟».

هنا، رفع محمود محمد طه بصره، وكأنه يمزق أستار الغيب ليسبر ما وراء الأفق، قائلا بهدوء العارف:

«هذه البلاد ستغرق في دمار شامل، وخراب كامل، وستغدو خاوية على عروشها، حتى تقنعوا من كل خير فيها، ثم بعد ذلك، تُعمر».

ثم تلا الآية التالية: “وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وانبتت من من كل زوج بهيج”

مردفا بالقول: «سيجيء عليكم خيرٌ.. ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت.. خير الدنيا بجنة الله في الأرض».

أما اليوم، فإن هذه النبوءة لم تعد في ظني مجرد حبر على ورق، بعد أن أضحت دماً يسيل وناراً تلتهم.

سؤالها لا يطرق أبوابنا بل يخلعها بقوة: هل آن أوان الاقتلاع؟!

وهل أزفت الآزفة؟.

فيما نحن نحدق في وجه “الأرض الهامدة”.

تحت نيران حرب أعمق من مظهر رصاص يتطاير، حرب ربما تكون هي الانفجار العظيم للدمار الذي توعد به هذا العارف.

فالخرطوم اليوم لم تعد عاصمة، بل أطلال تستنطق العدم، بعد أن غرقت في مستنقع غطاه السلاح الكيماوي بآثاره، وكذا دارفور وكردفان تحولتا إلى مسارح لمآسٍ مفتوحة.

انظروا إلى هذه الوجوه التي ظنت أنها تملك الأبد، كيف أنها ستأكل بعضها بعضا قريبا ربما؟

الفتنة بدأت تطل برأسها من ثقوب عباءاتهم المهترئة: عبد الحي يوسف يتحدي “الجنرال” قائلا: ” نحن موجودون حتي داخل مكتبك”، وعثمان كبر يقول ساخرا: “البرهان حرس كان مكانه خارج الأبواب، وهو اليوم مجرد ظاهرة صوتية لا تخيفنا”.

أحمد عباس يقول: “75% من المقاتلين هم جنودنا ونحن من ندير هذه الحرب”.

عموما هذا ليس مجرد ضجيج، إنه “الشرخ الوجودي” ذاته.. الذي يكشف أن “الفتنة سوف تنتهي بينهم”.

التصنيف الامريكي للحركة الإسلامية وكتائب ظلها كمنظومات إرهابية، هو ما قاد لتجميد صفقات السلاح الباكستانية السعودية لصالح الجيش، فضلا عن آثار أخري لا زالت تتفاعل بنتائجها خلف الستار، بسبب هذا الارتباط الإيراني المعلن.

هي تفاعلات تتجمع كأنها ذرات ماء تتكثف ببطء فوق السماء، لتهطل على أرضٍ لم تعد تحتمل مزيداً من الظمأ.

سر الأستاذ محمود يكمن في بلوغ نقطة الصفر المطلق، حيث لا يبقى من القديم حجرٌ على حجر.

الإعمار الذي تحدث عنه، لن يكون ترميماً لجسدٍ متهالك، إنما هو خلقٌ جديد لدولة مدنية ترفض “اللاهوت” السياسي، تخرج من أتون المحنة بنضجٍ لم تعهده البشرية من قبل.

الشاعر محمد المهدي المجذوب لامس سر هذا النوع من الخروج عندما تسأل قائلا:

> أيكونُ الخيرُ في الشرِ انطوى؟

> والقُوى خرجت من ذرةٍ هي حُبلى بالعدم؟

> أتُراها تكفلُ الحربَ.. وتنجو بالسَّلَم؟

هكذا هي المتغيرات الخفية، تخرج المزايا من طي البلايا، وتولد المنن من رحم المحن.

رغم أن أرض السودان لا تزال الي الآن “هامدة” تحت وطأة هذا الجحيم.

فنوع هذه النبوءات يكتب دائما نهاياته بأقلام من نار.

وهنا الأرض الظمأي تشرئب باعناقها الي السماء تنتظر الغيث الموعود.

الكل ينتظر اهتزاز هذه الأرض وربوها المنتظر؟

بل السودان برمته ينتظر الآن شيئا ما، لا يُنتظر.. والعالم بأسره يحبس أنفاسه، وسط جلبة طبول حروب آخر الزمان، ينتظر هو كذلك فجراً جديداً لا بد أن يبزغ من بين تضاعيف هذا الظلام الدامس.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *