عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

هل تعي القيادة في السودان خطورة اللحظة أم أنها تكرر ذات الخطأ بذات الأدوات وبذات الصمت الذي قاد إلى الكارثة السابقة

في العام 2023 وبتحديد في افطارات رمضان خرجت أصوات من داخل الحركة الإسلامية تدفع بالحشود نحو الحرب ضد الإطاري وضد المدنيين تحت بصر الأجهزة الأمنية التي وقفت متفرجة أو متواطئة وكانت النتيجة حربا شاملة حطمت الاقتصاد وأحرقت الزراعة وشلت المستشفيات ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح أو الارتهان للمساعدات الإنسانية

 

اليوم يعود الخطاب نفسه لكن بوجهة أخطر إذ يتحول التحريض نحو الخارج وتحديدا نحو دول الخليج في قلب صراع إقليمي معقد بين قوى كبرى وهذا التحول لا يمثل مجرد انزلاق لفظي بل يثير مسؤولية قانونية وسياسية مباشرة على عاتق الدولة وأجهزتها لأن السكوت عن خطاب عدائي ذي أثر عابر للحدود يمكن أن يفسر دوليا كقبول ضمني أو تواطؤ سلبي يفتح باب المساءلة ويقوض مبدأ حسن الجوار ويضرب التزامات السودان في حماية السلم والأمن الإقليميين

 

أي منطق هذا الذي يغامر بما تبقى من شرايين الاقتصاد السوداني

دول الخليج تمثل رافعة حيوية عبر التحويلات والاستثمارات والدعم غير الرسمي وأي خطاب عدائي قد يفضي إلى تقليص تدفق العملات الأجنبية وهو ما يعني ضغطا مباشرا على سعر الصرف وارتفاعا حادا في أسعار الغذاء والدواء في بلد يقف أصلا على حافة المجاعة

ومن زاوية سياسية واقعية فإن تلك الدول تملك أدوات تأثير على موازين القوى داخل السودان وإذا ما اعتبرت الخطاب طعنا مباشرا في مصالحها فقد تعيد توجيه دعمها بالكامل نحو طرف واحد بما يطيل أمد الحرب ويحولها من نزاع داخلي إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوح

 

هل يدرك صناع القرار أن استيراد صراعات الكبار إلى الداخل السوداني يفتح الباب أمام مسارح رخوة و

تجارب الماضي القريب تؤكد أن تحويل البلاد إلى منصة صراع خارجي ينتهي بعزلة دولية خانقة وعقوبات وتآكل في شرعية الدولة ويقوض فرص الإعفاء من الديون ويغلق أبواب التمويل التنموي ويترك الاقتصاد فريسة للسوق السوداء

 

لماذا هذا الصمت الرسمي

هل هو عجز عن المواجهة بسبب تغلغل شبكات الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الأمن والجيش بما يجعل أي تصد علني مخاطرة بانقسام خطير داخل القوات

أم هو توظيف مقصود للخطاب لصرف الغضب الشعبي نحو الخارج لتخفيف الضغط عن فشل داخلي متراكم

أم هو رهان قصير النظر على ابتزاز إقليمي يجلب أموالا سريعة مقابل خفض التصعيد وهو رهان أثبت مرارا أنه مكلف وغير مضمون

 

القانون والسياسة هنا يلتقيان عند نقطة واحدة

الدولة مسؤولة عن أفعالها وأقوال الفاعلين المرتبطين بها أو الواقعين تحت سلطانها حين يكون لخطابهم أثر مباشر على علاقاتها الخارجية وأمنها الاقتصادي والتقصير في ضبط هذا الخطاب يمثل إخلالا بواجب العناية الواجبة ويعرض البلاد لمخاطر يمكن توقعها وكان يجب منعها

 

المحصلة ليست نظرية بل عملية وقاسية

ضغط اقتصادي متصاعد احتمال اصطفافات إقليمية متضادة داخل الساحة السودانية مزيد من العزلة الدولية وتدهور الخدمات الأساسية ونزوح جديد يأكل ما تبقى من نسيج المجتمع

التحريض حين يترك بلا كابح لا يبقى صراخا عابرا بل يتحول إلى وقود لحريق واسع يدفع ثمنه المواطن خبزا أغلى دواء مفقودا ومستشفى مغلقا ومستقبلا مؤجلا

 

السؤال الذي لا يمكن الهروب منه

هل ستستمر القيادة في الصمت حتى تتسع دائرة الحريق أم تتخذ موقفا قانونيا وسياسيا حاسما يضع حدا للتحريض ويعيد ضبط بوصلة الدولة نحو حماية مصالح شعبها قبل أن يصبح الخارج هو من يرسم حدود القرار داخل الخرطوم

 

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٢٩ /مارس /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *