عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان يمر السودان بمرحلة تاريخية حرجة تتسم بانهيار مؤسسات الدولة وتفاقم النزاع المسلح، مما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة وانقسام سياسي عميق. ومع تعدد المبادرات الإقليمية والدولية لوقف الحرب، يبقى التحدي الأساسي هو غياب رؤية وطنية مشتركة قادرة على توحيد الإرادة السياسية والاجتماعية نحو بناء دولة القانون والسلام المستدام. وتشير التطورات الأخيرة إلى طرح مبادرات تتضمن وقفًا شاملاً لإطلاق النار تحت رقابة دولية وإعادة دمج المقاتلين في المجتمع، كمدخل لإنهاء النزاع . إن أي معالجة مستقبلية للأزمة السودانية يجب أن تنطلق من تحليل جذور الصراع، التي تتمثل في اختلال التوازن بين السلطة المدنية والعسكرية، وتسييس المؤسسة الأمنية، وضعف البنية الدستورية، إضافة إلى التهميش الاقتصادي والاجتماعي. وقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف الدولة وتحويلها إلى ساحة صراع على السلطة بدلاً من كونها إطارًا جامعًا للمواطنة. وتقوم الرؤية المستقبلية للحل على عدة مرتكزات سياسية وقانونية مترابطة، أولها وقف شامل وفوري لإطلاق النار بضمانات دولية وإقليمية، باعتباره شرطًا أساسيًا لتهيئة البيئة السياسية للحوار. فالتجارب السابقة، بما فيها اتفاقات جدة، أظهرت أن غياب آليات الرقابة والتنفيذ أدى إلى انهيار الهدن واستمرار القتال . لذلك، يجب أن يكون وقف إطلاق النار مصحوبًا بآلية رقابة دولية فعالة تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. ثانيًا، إطلاق عملية سياسية شاملة تقوم على مبدأ “الملكية الوطنية” للحل، بحيث تضم جميع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية فقط إقصاء واستبعاد كل من تورط في جرائم الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني . وتدعم الأمم المتحدة هذا التوجه عبر الدعوة إلى حوار شامل يقود إلى وثيقة توافقية تعكس جميع الرؤى . ويجب أن تهدف هذه العملية إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون. ثالثًا، إعادة بناء المنظومة الأمنية والعسكرية وفق مبدأ المهنية والحياد، من خلال برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، وهي خطوة ضرورية لضمان عدم تجدد النزاع. وقد تضمنت المبادرات المطروحة بالفعل إدماج المقاتلين غير المدانين في الحياة المدنية، مما يعكس أهمية هذا المسار . رابعًا، تحقيق العدالة الانتقالية بوصفها ركيزة أساسية للسلام المستدام، وذلك من خلال محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، استنادًا إلى قواعد القانون الدولي، بما في ذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ومبادئ عدم الإفلات من العقاب. كما أن مشاريع القوانين الدولية، مثل المقترحات الأمريكية، تؤكد على فرض عقوبات على مرتكبي هذه الجرائم . ويجب أن تشمل العدالة الانتقالية آليات متعددة مثل لجان الحقيقة والمصالحة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي. خامسًا، إعادة بناء الدولة على أسس دستورية جديدة، من خلال صياغة دستور دائم يعكس التنوع السوداني ويضمن الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وحماية الحقوق والحريات الأساسية. ويجب أن يستند هذا الدستور إلى مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. سادسًا، معالجة البعد الاقتصادي للأزمة عبر إطلاق برنامج وطني لإعادة الإعمار والتنمية، يركز على إعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد. فالسلام لا يمكن أن يستدام دون تحسين الظروف المعيشية للمواطنين. وأخيرًا، فإن نجاح هذه الرؤية يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الأطراف السودانية، ودعمًا إقليميًا ودوليًا منسقًا يحترم سيادة السودان ويعزز فرص الحل السلمي. وقد أكدت العديد من المبادرات الدولية على ضرورة التوصل إلى تسوية سلمية تراعي تطلعات الشعب السوداني وتحافظ على وحدة البلاد . إن السودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، إما الاستمرار في دوامة الحرب والانهيار، أو الانطلاق نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على العدالة والسلام. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال رؤية مشتركة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتؤسس لمستقبل يعيد الحياة إلى السودان ويصون كرامة شعبه. نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٣٠ /مارس /2026 شارك تصفّح المقالات ما مناوى سوى حصان طروادة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية!!