بقلم عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ينطلق هذا التصور من فهم مقاصدي عميق للآية الكريمة واعدوا لهم ما استطعتم من قوة حيث تتجاوز دلالة القوة معناها الحربي الضيق لتستقر في جوهرها كقدرة شاملة على حفظ الحياة وصيانتها وتنميتها فالشريعة الإسلامية في بنيتها الكلية قائمة على حفظ الضروريات الخمس الدين النفس العقل المال النسل ومن ثم فإن كل ما يعزز بقاء الإنسان وكرامته واستقراره يدخل في باب القوة المأمور بها وكل ما يهدر هذه المقاصد يعد انحرافا عن روح النص ومآلاته في سياق القرن الحادي والعشرين لم تعد القوة محصورة في أدوات القتال بل أصبحت منظومة مركبة من المعرفة والإنتاج والإدارة الرشيدة والتماسك الاجتماعي فالعلم والتقنية يمثلان اليوم رأس المال الحقيقي للأمم حيث تتحول المختبرات إلى خطوط دفاع أول ضد المرض والمجاعات وتصبح البرمجيات والبنية الرقمية أدوات سيادة لا تقل أهمية عن الحدود الجغرافية ومن هذا المنطلق فإن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي ليس ترفا بل واجب شرعي ووطني لأنه يحقق حفظ النفس والعقل ويمنع أسباب النزاع قبل وقوعها اقتصاديا تتجلى القوة في تحقيق الاكتفاء وتقليل التبعية عبر تطوير الزراعة والصناعات التحويلية وبناء سلاسل إنتاج محلية قادرة على الصمود أمام الأزمات فالأمن الغذائي يمثل ضمانة للاستقرار السياسي والاجتماعي كما أن حسن إدارة الموارد ومحاربة الفساد يندرجان ضمن حفظ المال الذي هو مقصد أصيل في الشريعة إذ لا يمكن لمجتمع منهك اقتصاديا أن يحافظ على سلمه أو كرامته اجتماعيا تقوم القوة على مبدأ المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع بوصفه طاقة إيجابية لا تهديدا فالتعدد اللغوي والثقافي في السودان يمكن أن يتحول إلى رافعة للإبداع والتنمية إذا ما أطر بقوانين عادلة ومؤسسات جامعة تضمن التمثيل المنصف وتكافؤ الفرص فالشريعة لا تعادي الاختلاف بل تنظمه وتوجهه نحو التعارف والتكامل مما يسهم في حفظ النفس ومنع الاحتراب الداخلي إداريا ومؤسسيا تظهر القوة في بناء دولة كفؤة تقوم على سيادة القانون والشفافية والمساءلة حيث تكون الخدمة العامة أداة لتحقيق مصالح الناس لا وسيلة للثراء الشخصي فالإدارة الرشيدة تقلل الهدر وتضاعف أثر الموارد المحدودة وتحقق العدالة في توزيع الخدمات وهو ما ينسجم مع مقاصد حفظ المال والنفس ويعيد الثقة بين المواطن والدولة بيئيا تمثل حماية الموارد الطبيعية جزءا لا يتجزأ من مفهوم القوة إذ لا بقاء لأمة تدمر بيئتها أو تستنزف مواردها دون تخطيط فإدارة المياه والطاقة والتنوع الحيوي تدخل في باب الاستخلاف الذي يحمّل الإنسان مسؤولية إعمار الأرض لا إفسادها وهذا البعد يعزز الاستدامة ويمنع الصراعات المستقبلية على الموارد إن الخروج من دائرة القتل في السودان يتطلب تحولا عميقا في الوعي الجمعي وفي فلسفة الحكم من تمجيد القوة العنيفة إلى تبني القوة المنتجة ومن توظيف الدين في الصراع إلى استعادته كمرجعية أخلاقية للسلام والعدالة فالإسلام في جوهره دعوة للحياة الكريمة والعدل بين الناس ولا يمكن أن يكون غطاء لاستمرار الدماء أو احتكار السلطة الرؤية المستقبلية للدولة السودانية ينبغي أن تقوم على عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة مدنية عادلة تحترم الدين ولا تحتكره وتبني مؤسساتها على الكفاءة لا الولاء وتضع التعليم والصحة والاقتصاد المنتج في مقدمة أولوياتها مع تبني سياسات علمية في التخطيط والتنمية وتوسيع المشاركة السياسية وضمان استقلال القضاء ومكافحة الفساد بشكل منهجي في هذا الإطار تصبح القوة الحقيقية هي قدرة الدولة والمجتمع على منع أسباب الحرب قبل نشوبها عبر العدالة والتنمية والمعرفة وبناء إنسان يرى في الآخر شريكا في الوطن لا خصما فحين تتجذر هذه المعاني تتحول الآية من شعار يرفع في ساحات القتال إلى مشروع حضاري يمنع القتال من الأساس ويضع حدا لدائرة الدم بصورة دائمة نواصل بمشيئة الله بتاريخ ٧/ابريل /2026 شارك تصفّح المقالات في ذكري ملاحم ٦ أبريل مراحل إجهاض ثورة ديسمبر المجيدة