عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الانسان

 

من اخطر ما انتجته حرب 15 ابريل 2023 في السودان ليس فقط الخراب العسكري والانهيار الانساني بل انهيار اللغة نفسها لان الحروب حين تطول لا تقتل الناس فقط بل تعيد تشكيل الوعي وتنتج قاموسا جديدا تصبح فيه الجريمة عادية ويصبح الضحك على المأساة جزءا من الحياة اليومية

 

دخلت الى الخطاب السوداني مصطلحات مثل جغم بل بس فتك متك صناع الكباب فلنقاي ام كعوك وهي تعبيرات تحمل في ظاهرها السخرية او التعبئة لكنها في حقيقتها تمثل انتقالا خطيرا من توصيف العنف الى تطبيع العنف ومن استنكار الجريمة الى تحويلها الى مادة للتداول الشعبي والتسلية

 

لكن اخطر هذه المصطلحات على الاطلاق هو مصطلح اولاد الضيف لانه لا يستهدف طرفا عسكريا بل يضرب المرأة والطفل والنسب والاسرة والمجتمع والدين والقانون في لحظة واحدة

 

هذا المصطلح يقوم على تصوير النساء في مناطق النزاع باعتبارهن جزءا من غنائم الحرب ويصور الاطفال الناتجين عن علاقات قسرية او اعتداءات جنسية باعتبارهم ابناء غرباء او ضيوف وهو خطاب يحمل في داخله ثلاث طبقات من الانتهاك

 

كما ان هذا المصطلح لا يمس امرأة بعينها فقط بل يستهدف بصورة مباشرة المرأة الكردفانية والمرأة الدارفورية ويضعهما في دائرة الاشتباه الاجتماعي والوصمة الجماعية وكأن نساء كردفان ودارفور اصبحن ساحات مستباحة للحرب والانتهاك والتشكيك في الشرف والنسب وهو خطاب يحمل بعدا عنصريا ومناطقيا خطيرا يعيد انتاج الكراهية والتمييز ضد مكونات سودانية كاملة دفعت اثمان الحرب دما ونزوحا وفقرا وانتهاكا

 

الطبقة الاولى انتهاك ديني واخلاقي لان الشريعة الاسلامية جعلت النسب حقا مقدسا قال تعالى ادعوهم لآبائهم هو اقسط عند الله سورة الاحزاب الآية 5 وجاء في الحديث الولد للفراش وللعاهر الحجر وبالتالي لا يوجد في الشريعة مفهوم اسمه ولد الضيف لان هذا التعبير يهدم قواعد النسب ويشرعن الفاحشة ويحول الاغتصاب او العلاقة القسرية الى وضع اجتماعي مقبول او مادة للسخرية

 

ولذلك فان مصطلح اولاد الضيف لا يمثل فقط جريمة جنائية بل يرقى في جوهره الى جريمة حدية لانه قائم على القذف والطعن في الاعراض ونشر الفاحشة والتشهير بالمحصنات وهي افعال شددت عليها الشريعة الاسلامية قبل القوانين الوضعية قال تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا واولئك هم الفاسقون سورة النور الآية 4 وبالتالي فان تداول المصطلح او الترويج له او الضحك عليه يدخل في دائرة الاعتداء على الاعراض وكرامة النساء ويمثل مساهمة مباشرة في اشاعة الفاحشة داخل المجتمع

 

الطبقة الثانية انتهاك مباشر لكرامة المرأة لان المصطلح ينزع عن المرأة انسانيتها ويحولها من شخص له ارادة وحق وكرامة الى اداة للمتعة او الضيافة او الغنيمة وهو ذات المنطق الذي قامت عليه جرائم السبي والاسترقاق الجنسي تاريخيا حيث يتم التعامل مع النساء باعتبارهن جزءا من ممتلكات الحرب لا باعتبارهن مواطنات يتمتعن بالحماية القانونية والانسانية

 

الطبقة الثالثة انتهاك لحقوق الطفل لان الطفل لا يجوز تحميله مسؤولية ظروف ولادته ولا يجوز وصمه مجتمعيا او حرمانه من النسب او الاسم او الحماية بسبب جريمة ارتكبها بالغون وهذا ما اكدته اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 في المادة 7 التي نصت على حق الطفل في الاسم والجنسية والرعاية ومعرفة والديه كما نصت المادة 2 من الاتفاقية على حظر التمييز ضد الطفل بسبب وضعه او وضع والديه

 

القانون الدولي الانساني اعتبر الاغتصاب والحمل القسري والاستعباد الجنسي جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية حيث نص نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 7 والمادة 8 على تجريم الاغتصاب والاستعباد الجنسي والحمل القسري واي شكل من اشكال العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة

 

كما نصت اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة سيداو لسنة 1979 على التزام الدول بحماية المرأة من العنف والاستغلال والتمييز ونص اعلان القضاء على العنف ضد المرأة الصادر عن الامم المتحدة سنة 1993 على ان العنف القائم على النوع يمثل انتهاكا لحقوق الانسان وحاجزا امام المساواة والتنمية والسلام

 

كذلك نصت اتفاقيات جنيف الرابعة لسنة 1949 والبروتوكولان الاضافيان لسنة 1977 على حماية النساء والاطفال اثناء النزاعات المسلحة وتجريم الاعتداء على الكرامة الشخصية والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة والاعتداءات الجنسية

 

اما في القانون السوداني فان النصوص الجنائية والدستورية توفر اساسا واضحا لتجريم هذا الخطاب وكل ما يرتبط به من افعال او تحريض او ترويج

 

المادة 24 من الوثيقة الدستورية لسنة 2019 اقرت مبدأ الكرامة الانسانية باعتباره حقا اصيلا لكل انسان

 

المادة 48 من الوثيقة الدستورية نصت على حماية حقوق المرأة وتعزيزها وضمان عدم التمييز ضدها

 

المادة 15 من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 اكدت حماية الاسرة والمرأة والطفل

 

المادة 45 من ذات الدستور نصت على حماية حقوق الطفل وعدم التمييز ضده

 

المادة 151 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 تجرم الافعال الفاحشة والمخلة بالاداب

 

المادة 157 من القانون الجنائي تجرم القذف وتعاقب على رمي المحصنات بالزنا او ما في معناه

 

المادة 186 من القانون الجنائي المتعلقة بالجرائم ضد الانسانية تشمل الافعال المرتبطة بالعنف الجنسي واسع النطاق اثناء النزاعات

 

قانون مكافحة الاتجار بالبشر لسنة 2014 نص في المادة 7 على تجريم الاستغلال الجنسي والاسترقاق والاتجار بالاشخاص مع عقوبات تصل الى السجن لسنوات طويلة

 

قانون الطفل السوداني لسنة 2010 نص على حماية الطفل من الوصم والتمييز والعنف النفسي والاجتماعي

 

كما ان قانون مكافحة العنف ضد المرأة لسنة 2020 وضع اسسا قانونية لتجريم كل خطاب او ممارسة تمس كرامة المرأة او تحرض على العنف ضدها

 

وبالتالي فان استخدام مصطلح اولاد الضيف لا يمكن اعتباره مجرد رأي او مزحة او تعبير شعبي بل يمكن ان يشكل فعلا يدخل في دائرة القذف والتحريض واشاعة الفاحشة والتطبيع مع جرائم الحرب والعنف الجنسي والتمييز القائم على النوع

 

تاريخيا فان المجتمعات التي سمحت بخطاب تحقير النساء والاطفال اثناء الحروب دفعت ثمنا اخلاقيا واجتماعيا باهظا ففي رواندا والبوسنة والهرسك وسيراليون والكونغو تحولت اللغة المحرضة الى مقدمة لجرائم الابادة والعنف الجنسي الجماعي ولذلك اعتبرت المحاكم الدولية ان التحريض اللفظي وخطاب الكراهية جزء من البنية المساعدة على ارتكاب الجريمة وليس مجرد كلام عابر

 

اخطر ما في هذا المصطلح انه لا يقتل الجسد فقط بل يقتل فكرة المجتمع نفسها لان المجتمع الذي يضحك على اغتصاب النساء او يسخر من نسب الاطفال يفقد تدريجيا قدرته الاخلاقية على حماية نفسه

 

والاخطر من ذلك صمت السلطات الرسمية والاجهزة العدلية والرقابية تجاه هذا الخطاب رغم انتشاره الواسع في المنصات العامة ووسائل التواصل الاجتماعي فالسكوت عن خطاب يهين النساء ويطعن في الاعراض ويمس الاطفال ويطبع مع جرائم الحرب لا يمكن تفسيره باعتباره حيادا بل تقاعسا عن اداء الواجب الدستوري والقانوني في حماية المجتمع والكرامة الانسانية وسيادة القانون

 

الصمت تجاه هذه اللغة ليس حيادا بل مساهمة غير مباشرة في اعادة انتاج الانتهاك لان كل اعادة نشر للمصطلح تمنحه شرعية جديدة وكل ضحكة عليه تمنحه مساحة اكبر للانتشار وكل تبرير له يحول الجريمة الى ثقافة

 

المطلوب اليوم ليس فقط الادانة الاخلاقية بل التحرك القانوني والمجتمعي والديني والاعلامي لتجريم هذا الخطاب ووقف تداوله واعادة الاعتبار للمرأة والطفل بوصفهما ضحايا لا مادة للسخرية او التصنيف

 

يجب على النيابة العامة فتح بلاغات تحت المواد المتعلقة بالقذف والتحريض والعنف القائم على النوع والجرائم ضد الانسانية ويجب على المؤسسات الدينية اعلان موقف واضح يعتبر هذا الخطاب مخالفا للشريعة والاخلاق ويجب على المنظمات النسوية ومنظمات حقوق الانسان توثيق الانتهاكات وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا والعمل على كسر الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاطفال

 

كما يجب على المجتمع نفسه ان يدرك ان تسمية الاشياء بغير اسمائها هي بداية الانهيار فالاغتصاب ليس ضيافة والطفل ليس ابن حرب والمرأة ليست غنيمة

 

الحروب قد تسقط المدن لكن خطاب الحرب يسقط الانسان واذا سقط الانسان فلا قيمة لاي انتصار عسكري ولا معنى لاي حديث عن وطن او دولة او كرامة

 

مصطلح اولاد الضيف ليس كلمة عابرة بل وثيقة ادانة اخلاقية وقانونية تكشف حجم الانهيار الذي اصاب الضمير الجمعي والسؤال الحقيقي ليس من قال المصطلح فقط بل كيف وصل المجتمع الى مرحلة يسمعه فيها الناس ثم يضحكون؟

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٢٩ /ابريل /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *