عبدالعزير بخات المحامي
والمدافع عن حقوق الإنسان..يكتب

إن التصريح الصادر عن عبد الفتاح البرهان لا يقف عند حدود الإقرار بوجود عناصر استخبارات داخل المستشفيات بل يتجاوز ذلك إلى نتيجة أخطر تتمثل في تعريض الأطباء لخطر مباشر وتحويل الحقل الطبي المدني إلى ساحة قتال مفتوحة هذا الفعل في ميزان القانون لا يعد توصيفا للواقع بل صناعة متعمدة لوضع قانوني جديد ينزع الحماية ويعيد تعريف الطبيب كطرف في النزاع

بمجرد إدخال الاستخبارات إلى جسد المهنة الطبية يسقط مبدأ الحياد الذي يشكل أساس الحماية الدولية ويصبح الطبيب في نظر الخصم هدفا مشروعا لا مهنيا محميا وهذا التحول لا يتم بالفعل العسكري بل بالكلمة الرسمية التي تصدر من أعلى هرم القيادة لأن التصريحات في زمن النزاعات المسلحة لها آثار قانونية مباشرة على توصيف الأعيان والأشخاص

القانون الدولي والوطني لم يترك هذه المسألة للفراغ بل أحاط الأطباء بحزمة صريحة من النصوص الملزمة التي تجعل استهدافهم أو توريطهم جريمة قائمة بذاتها

اتفاقيات جنيف 1949 المادة 18 تنص على أن المستشفيات المدنية لا يجوز بأي حال مهاجمتها ويجب احترامها وحمايتها في جميع الأوقات
المادة 20 من نفس الاتفاقية تنص على وجوب احترام وحماية العاملين في المجال الطبي وعدم التعرض لهم أثناء أداء مهامهم

البروتوكول الاضافي الاول 1977 المادة 12 تؤكد أن الوحدات الطبية لا يجوز أن تكون هدفا للهجوم
المادة 15 تنص على حماية العاملين الطبيين وتحييدهم بشكل كامل عن العمليات العسكرية

نظام روما الاساسي 1998 المادة 8 الفقرة 2 ب 9 تعتبر تعمد توجيه هجمات ضد المستشفيات أو أماكن تجمع المرضى والجرحى جريمة حرب
والمادة 28 تقر مسؤولية القادة عن الأفعال التي تقع نتيجة أوامرهم أو تقصيرهم في منعها

اللجنة الدولية للصليب الاحمر في قواعدها العرفية للقانون الدولي الإنساني القاعدة 25 تنص على وجوب احترام وحماية العاملين الطبيين في جميع الظروف
والقاعدة 28 تؤكد أن الوحدات الطبية تفقد حمايتها فقط إذا استخدمت خارج وظيفتها الإنسانية وهو ما لا يجوز فرضه أو ادعاؤه بقرار سياسي

منظمة الصحة العالمية في مبادئها الأخلاقية تؤكد على استقلال القرار الطبي وعدم جواز إخضاعه لأي توجيه أمني أو عسكري

على المستوى الوطني
قانون المجلس الطبي السوداني لسنة 1993 المادة 30 يحظر إفشاء أسرار المريض تحت أي ظرف غير قضائي
قانون مزاولة المهن الطبية والصحية لسنة 2011 يقر استقلال الطبيب ويحظر استغلال المهنة لغير غرض العلاج
القانون الجنائي لسنة 1991 المادة 58 يجرم تعريض حياة الأفراد للخطر
هذه النصوص مجتمعة تعني أن إدخال الطبيب في العمل الاستخباراتي ليس فقط مخالفا بل مجرما قانونا

بناء على ذلك فإن التصريح موضوع النقاش يرتب آثارا قانونية خطيرة
أولا يرفع الحماية عن الأطباء فعليا لأنه يقدمهم كأطراف في النزاع
ثانيا يخلق مبررا لدى الطرف الآخر لاستهدافهم باعتبارهم عناصر أمنية
ثالثا يدفع المرضى إلى تجنب المستشفيات خوفا من الاعتقال أو القتل
رابعا يساهم في انهيار الثقة بين الطبيب والمريض وهو ما يمثل نهاية فعلية للنظام الصحي

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سياسيا بل قانوني مهني
هل يمكن لدولة أن تطالب بحماية أطبائها دوليا وهي تعلن داخليا أنهم جزء من جهازها الاستخبارات؟
كيف يمكن إعادة صفة الحياد لمرفق تم وصفه رسميا بأنه أداة معلومات؟
من يتحمل المسؤولية الجنائية إذا تم استهداف طبيب بناء على هذا التصريح؟
هل يتحول القائد الذي يطلق هذا التوصيف إلى شريك في كل ضرر لاحق يصيب الكادر الطبي؟

أن ما قيل لم يكن مجرد تصريح بل فعل قانوني كامل نقل الأطباء من دائرة الحماية إلى دائرة الخطر ومن صفة الحياد إلى شبهة الاشتراك في النزاع وهو ما يشكل في جوهره انتهاكا جسيما للقانون الدولي الإنساني ويضع المسؤولية مباشرة على من أطلق هذا التوصيف وأقر به علنا

نواصل
بمشيئة الله
بتاريخ
5/مايو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *