آدم الحاج عبدالله عبدالرحمن أديب..يكتب مدخل في خضم الأزمة السودانية المتفاقمة، لم يعد الحديث عن “الدعم الإقليمي للاستقرار” كافيًا لتفسير ما يجري على الأرض. فالمشهد لم يعد مجرد صراع داخلي، بل تحوّل إلى نقطة تقاطع لمصالح إقليمية متشابكة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية بالاقتصادية، ويختلط فيها المعلن بالمضمر. السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: من يدعم السودان؟ بل أصبح أكثر دقة وجرأة: من يستفيد من بقاء السودان في حالة هشاشة؟ أولًا: مصر – بين خطاب الأمن القومي وتعقيدات المصلحة تنطلق الرؤية الرسمية لمصر من اعتبار السودان عمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط فيه. غير أن قراءة الوقائع تكشف أن العلاقة أكثر تعقيدًا من مجرد دعم مباشر للاستقرار. تظل قضية حلايب وشلاتين نموذجًا لتضارب مفهوم السيادة، حيث تُدار بواقع الأمر الواقع لا عبر تسوية قانونية نهائية. وفي البعد الاقتصادي، يبرز نشاط الاقتصاد الحدودي غير المنظم، الذي يشمل الذهب والماشية والموارد الزراعية، وهو نمط يتراجع بطبيعته في ظل دولة قوية قادرة على فرض الضبط المالي والجمركي. من هنا، يبرز تساؤل مشروع: إلى أي مدى يتقاطع استمرار هذا الواقع مع مصالح غير معلنة؟ سياسيًا، تميل المقاربة المصرية إلى تفضيل نماذج “الاستقرار المُتحكَّم فيه”، حيث تكون الدولة مركزية وقابلة للتنبؤ. غير أن هذا النمط، في السياق السوداني، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات بدلًا من معالجتها جذريًا. كما أن أحداث أبريل 2023، خاصة ما جرى في مروي، كشفت عن عمق الارتباط العسكري بين البلدين، وفي الوقت ذاته هشاشته عند انفجار الداخل. ثانيًا: السعودية – وساطة الاستقرار وحدود الدور تلعب السعودية دورًا بارزًا في محاولات احتواء الأزمة، عبر رعاية التهدئة وفتح مسارات التفاوض. وترتبط مصالحها بالسودان بأمن البحر الأحمر والاستثمارات، مما يجعل الاستقرار هدفًا واضحًا. لكن هذا الدور يظل محكومًا بسقف معين: يركّز على إدارة الأزمة أكثر من حلّها جذريًا ويتجنب إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بعمق كما أن طبيعة النظام السياسي السعودي تجعله أكثر ميلًا إلى دعم الاستقرار التقليدي، وأقل حماسًا للتحولات السياسية السريعة ذات الطابع الديمقراطي. وبالتالي، فإن تأثيره يبقى مهمًا في تقليل الفوضى، لكنه محدود في بناء الاستقرار المستدام. ثالثًا: إثيوبيا – براغماتية المصالح وحسابات القوة تعتمد إثيوبيا مقاربة براغماتية واضحة، ترتكز على حماية مصالحها الاستراتيجية، وعلى رأسها سد النهضة والتوازنات الحدودية. لا تنطلق إثيوبيا من هاجس شكل النظام السياسي في السودان بقدر ما تركز على نتائجه العملية. فهي تدعم الاستقرار حين يخدم مصالحها، وتتجنب الالتزام به حين يقيّد حركتها. رابعًا: النخب السودانية – حين يُستدعى الخارج لا يكتمل فهم هذا المشهد دون التوقف عند العامل الداخلي الأكثر حساسية: سلوك النخب السودانية. فقد أدى انغماس هذه النخب في صراعاتها وخصوماتها السياسية إلى تحول خطير في أولوياتها، حيث لم يعد الهدف بناء دولة مستقرة، بل أصبح—في كثير من الأحيان—البحث عن دعم خارجي يضمن البقاء في السلطة. هذا الواقع أفرز نمطًا واضحًا: تدويل الصراع الداخلي حيث لم تعد القوى الإقليمية تتعامل مع دولة، بل مع أطراف متنافسة، لكل منها تحالفاته، مما أدى إلى: تضارب الأجندات إضعاف القرار الوطني توسيع نطاق النفوذ الخارجي وفي هذه المعادلة، لم يعد الخارج يفرض نفسه فقط، بل أصبح—في بعض الحالات—مدعوًا من الداخل. الخلاصة: الاستقرار كأداة لا كغاية رغم اتفاق الخطاب الإقليمي على “أهمية استقرار السودان”، إلا أن هذا الاتفاق يخفي اختلافًا جوهريًا: هل المطلوب هو استقرار دولة قوية مكتملة السيادة؟ أم استقرار يمكن احتواؤه والتأثير عليه؟ في هذا السياق، يبدو أن ما يُدار فعليًا ليس إنهاء الهشاشة، بل إدارتها. فبعض القوى لا تسعى بالضرورة إلى تفكيك السودان، لكنها في الوقت ذاته لا تجد مصلحة عاجلة في تحوله إلى دولة قوية مستقلة القرار. خاتمة الأزمة السودانية ليست فقط نتاج تدخلات إقليمية، بل أيضًا نتيجة غياب مشروع وطني موحد. فالدولة التي لا تملك مركز قرار مستقل، ستظل عرضة لإعادة التشكيل وفق مصالح الآخرين. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يتدخل في السودان؟ بل: متى يمتلك السودان القدرة على فرض شروط التعامل مع من يتدخل؟ شارك تصفّح المقالات السودان ولغز “النعجة العرجاء”؟! شوق الدرويش… كيف انقلبت الرواية على صاحبها