عمار نجم الدين…يكتب

وهذا الجحود النخبوي يذكرنا بما سطره النيجيري وولي سوينكا في سياق تشريحه لطبيعة السلطة والوعي حين أشار إلى أن النمر لا يعلن عن نمريته بل يهجم فحسب. لكن مثقف المركز عندنا لا يكف عن إعلان وصايته الأخلاقية بينما يرتعد فرائصاً من هجمة الواقع التي خلخلت أركان هيكله القديم.

في فيافي القارة التي أدمنت اجتراح المآسي وفي السودان تحديداً تنمو مفارقة تاريخية تبدو وكأنها استهلال لرواية إفريقية وجودية لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد. مفارقة تُفكك طبيعة الوعي السياسي السائد وتعري زيفه. ثمة فئة من الناس لا يغضبهم الاستبداد بصفته قوة قاهرة تحطم العظام وتصادر الحريات، ولا تثير حفيظتهم السياط وهي تهوي على ظهور الكادحين، بل يغضبهم فقط الغريب الذي يمسك بالسوط. إنهم لا يرفضون منظومة السيد والعبد، بل يرتعبون من اللحظة التي يقرر فيها العبد أن يغادر السطر المكتوب له في روايتهم ليجلس في مقعد السيد الذي توهموا أنه وقف عليهم وميراث أبدي لا يشاركه فيه من أتى من تخوم الريح وغبار الهامش. وكأن صدى كلمات Francis Deng يتردد هنا ليعمق الجرح حين قال إن ما يفرقنا هو ما لا نجرؤ على قوله. والمسكوت عنه اليوم هو ذعر المركز من شريك لم يعد يكتفي بالفرجة.

حمور زيادة الذي يتناول اليوم بتهكم وازدراء وزراء ما يُسمى تأسيس ليس مجرد روائي أو كاتب علّق عفوياً على حدث سياسي عابر. إنه في هذه اللحظة لا يظهر ككاتب منفصل عن سياقه، بل كصدى ثقافي طويل لذاكرة مركزية اعتادت الحديث باسم السودان كله. وهي الذاكرة التي تشكلت تاريخياً داخل أحياء الخرطوم وأم درمان القديمة، وسط ما يمكن تسميته بـ ((أولاد الخرطوم))؛ أي تلك الشريحة التي لم تكتفِ باحتكار الدولة والإدارة والثقافة، بل احتكرت أيضاً تعريف الذوق والوعي ومن يحق له التحدث باسم السودان. فهي نخبة النخبة داخل المركز نفسه، تربّت داخل المخيال الخرطومي المغلق، وتعلمت النظر إلى بقية البلاد بوصفها أطرافاً بعيدة تُروى عنها الحكايات أكثر مما تُمنح حق المشاركة في صناعة المعنى والسلطة. وتنصّب نفسها صوتاً وحيداً وتعبيرات حصرية عن المأساة والوعي وإن غلفت ذلك بالسخرية.

حين يكتب حمور زيادة متهكماً: “تلم أولاد أهلك وتعملوا مليشيا وتوزعوا على بعض رتب وتدقوا الشير تتشتروا سلاح تجيب أصحابك وتعملوا حكومة هاك انت وزارة وجيب ولاية الحياة سهلة… لم أصحابك اعمل النفسك فيو”، لم تكن المشكلة الحقيقية عنده في مبدأ المحاصصة أو بنية الامتياز المغلقة. فالدولة السودانية منذ فجر ما بعد الاستعمار قامت تاريخياً على شبكات القرابة والولاءات الجهوية والمحسوبية النخبوية. لكن القلق الحقيقي والتوتر الذي ينضح به منشوره يتجاوز السخرية السطحية؛ إنه يعكس اللحظة الحرجة التي تخرج فيها السلطة ـ ولو جزئياً ـ من يد النخبة التي اعتادت احتكار الفضاء العام والتعريف السياسي للدولة منذ عام 1821 وحتى اليوم، بينما كانت تنظر إلى ذلك الاحتكار كحق تاريخي طبيعي لا يحتاج حتى إلى تبرير.

لأن أبناء الهامش والأطراف في مخيلة مثقفي المركز يصلحون دائماً ليكونوا مادة سردية دسمة؛ ضحايا تفيض بهم الروايات، شخصيات مأساوية تثير الشفقة الجمالية، أو أبطالاً تائهين في الحكايات. لكنهم لا يصلحون في نظرهم ليكونوا وزراء ولا صناع قرار ولا فاعلين يشاركون في صياغة مفهوم الدولة بعد قرون من الحرمان والتهميش التاريخي.

من يقرأ رواية شوق الدرويش يلحظ هذا الملمح بوضوح، حيث تُقدَّم الشخصيات القادمة من الأطراف ككائنات محكومة بالألم والعنف والتشظي الروحي، بينما يظل العقل الذي يراقب ويحلل ويمنح المعنى والأبعاد الفلسفية للأحداث قادماً من موقع تراتبي أعلى ينظر إلى الآخرين بوصفهم مادة خاماً للكتابة. حتى الجملة الفلسفية الشهيرة في الرواية التي تقول إن الناس لا يخافون الحقيقة بل يخافون ما تفعله الحقيقة بهم تبدو اليوم وكأنها تنقلب على صاحبها. فالحقيقة التي تزعج النخبة المركزية اليوم ليست فساد الدولة القديمة، بل أن هذه الدولة بدأت ـ على كثرة عيوبها ـ تُظهر وجوهاً وملامح لم تكن تُرى تاريخياً داخل قاعات السلطة الأنيقة.

إن هذا الارتباك النخبوي الذي يجسده حمور زيادة هو انعكاس لعقل مركزي يرفض الاعتراف بالآخر كفاعل سياسي مساوٍ. وفي ذات الرواية يورد اقتباساً يرى فيه أن الحب مثل الموت لا يغير ما كان بل يغيرنا نحن. واليوم يبدو أن الواقع السياسي الجديد في السودان هو ذلك الموت الرمزي للامتيازات القديمة؛ واقع يرفض المثقف المركزي أن يغيره أو يتغير به، فيظل حبيس سردياته القديمة التي تمنحه حق الوصاية على الوعي.

وفي روايته الغرق يتبدى هذا الانشغال الدائم بفكرة اللعنة الاجتماعية والقدرية الحتمية التي تلاحق الشخصيات التي تحاول الخروج عن مكانها المحدد لها سلفاً. وكأن لسان حال تلك السردية يقول إن من وُلد في القاع يجب أن يظل هناك لحفظ توازن الحكاية المركزية. وهنا يبرز اقتباسه الذي يؤكد فيه أن الناس في هذه البلاد لا يغفرون لمن يخرج عن طوره أو يحاول أن يكون غير ما أرادوا له أن يكون. وهكذا يُراد لابن الهامش أن يظل درويشاً في رواية، أما أن يكون وزيراً يزاحم النخبة في مقاعدها فذلك خروج عن الطور التاريخي الذي رسمه المركز.

إن الهجوم على القادمين الجدد بوصفهم أولاد حلة أو أصحاب ملمومين هو محاولة بائسة لإعادة إنتاج هذه اللعنة. فالمثقف المركزي يؤمن بالتنوع كشعار نظري، ويبكي على المهمشين إنسانياً في الندوات، لكنه يصاب بالذعر السياسي بمجرد أن يقترب هؤلاء من الهيكل المقدس ويمسكون بزمام المبادرة لتفكيك احتكار امتد لعقود. والحقيقة التي يتهرب منها هذا الخطاب الساخر هي أن المؤسسية التي يتباكون عليها لم تكن يوماً سوى جلباب فضفاض يغطي عورة الامتيازات الطبقية والعائلية التي ورثت الدولة وحولتها إلى غنيمة خاصة.

.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *