نفيسة حجر…تكتب مراجعة الحسبات اصبحت واجبه بالنسبةل “حكومة تأسيس، فقبل أن تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع التاريخ وإرادة الشعوب التي لا تُقهر فالاستمرار في نهج الالتفاف على التغيير الحقيقي لن يقود إلا إلى مزيد من الأزمات. إن شعارات “محاربة الفلول” وتفكيك دولة النظام البائد التي يرفعها إعلام الدعم السريع لم تعد تنطلي على أحد، خاصة في ولاية غرب كردفان حيث تجاوز المشهد حدود المفارقة ليصل إلى مرحلة “الخديعة الكبرى”، فنجد أن الولاية التي سقطت عسكرياً تحت شعار إنهاء هيمنة الحركة الإسلامية، تُدار اليوم فعلياً بواسطة ذات الماكينة التنظيمية التي أذاقت الشعب الويلات لثلاثين عاماً. إن المصيبة الحقيقية تكمن في “الخطة ب” التي انتهجها النظام البائد فبينما غادرت قيادات الصف الأول المشهد إعلامياً، فُتحت الأبواب على مصراعيها لـ “كوادر الصف الثالث” من الفلول، هؤلاء الذين ظلوا لسنوات “خلف الكواليس” ينتظرون أدوارهم، وجدوا في مظلة الدعم السريع فرصتهم الذهبية للظهور والتمكين، وهم الأكثر خطراً لنهمهم الشديد للسلطة وتقديم خبراتهم في “البيروقراطية الفاسدة” وفنون الجبايات كقرابين طاعة للبندقية الجديدة، متدثرين بعباءة الإدارة المحلية بينما عقولهم لا تزال تنبض بذات الأيدولوجيا الإقصائية. إن ما يحدث اليوم هو وأدٌ معلن للإرادة الشعبية، فقد قاد أبناء بابنوسة الأحرار ثورة تصحيحية جسورة كان هدفها الأول والأساسي هو اقتلاع “الكيزان” وتنقية مؤسسات الولاية من دنس التمكين، ولكن الصدمة جاءت من “حكومة التأسيس” التي قامت بالالتفاف على تضحيات هؤلاء الثوار، وأعادت تدوير ذات العناصر الكيزانية في المناصب القيادية، في عملية “تأسيس” لمصالح ضيقة استبدلت إرادة الشارع الثائر برغبة القادة العسكريين في التحالف مع أعداء الثورة الأوائل لضمان السيطرة. وتكتمل فصول هذه الجريمة في نهب موارد الولاية الممنهج فغرب كردفان التي تسبح فوق بحار من البترول والغاز، وتكتنز الذهب وتنتج الصمغ العربي والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، ظلت لثلاثة عقود “خارج التنمية” بفعل فاعل، حيث تعمد الفلول إقعادها ومنعها من أن تكون رائدة مقارنة بغيرها، محولين مواردها إلى غنائم تُقسّم في الخفاء، وعودتهم اليوم ليست حباً في الإدارة، بل هي استبسال للحفاظ على “شبكات المصالح” وضمان استمرار تدفق خيرات الولاية إلى جيوبهم، بينما يبقى إنسان المنطقة يرزح تحت وطأة الفقر والنزوح. فبينما يذخر السلك الإداري بكفاءات وطنية مشهود لها، تم القفز فوق كل المعايير المهنية لتعيين ضابط إداري كان لا يزال في الدرجة التاسعة، لا لشيء إلا لكونه أحد “منشدي” الحركة الإسلامية المعروفين، والمثير للسخرية أن مسوغات هذا التعيين الرفيع جاءت تحت لافتة “الإصابة في المعارك”، بينما الحقيقة المتداولة أن إصابته المزعومة في بابنوسة لم تكن إلا نتيجة سقوط “حائط” عليه نتيجه للتدوين (انفهق ومن ثم تم سنده)، ليتم تحويل هذا الحادث العرضي إلى “بطولة زائفة” فتمت مكافئته بادارة ولاية غنية بالموارد، وهذا دليل دامغ على أن “الولاء” لا يزال يسبق “الأداء”. وآخر قولي: إن ما يحدث في غرب كردفان هو جرس إنذار لكل السودانيين فثورة ابناء بابنوسه لم تكن تهدف لاستبدال “إسلامي” بـ “إسلامي متحالف مع البندقية”، بل كانت تهدف لاجتثاث منهج كامل في الحكم والإدارة، وعودة الفلول من “الشباك” تثبت أن المعركة هي معركة وعي ضد منظومة بارعة في إعادة تدوير نفسها، ولو كان ذلك على جثث الأبرياء وأنقاض ما تبقى من مؤسسات الولاية المنهوبة. شارك تصفّح المقالات شوق الدرويش… كيف انقلبت الرواية على صاحبها سوسيولوجيا الخوف وصناعة الكراهية: نحو استعادة التعايش الاجتماعي