بقلم: د. عبدالناصر علي الفكي أستاذ جامعي – مركز تنمية التعايش الاجتماعي انطلاقًا من رؤيتي السوسيولوجية للخوف من منظور تحليلي، أرى أن صناعة الكراهية ليست وليدة لحظة عابرة ولا مجرد انفعالات جماهيرية عفوية، بل هي آلية ممنهجة يُعاد إنتاجها بوعي ضمن سياقات الصراع على السلطة والنفوذ والثروة. فالخوف عندما يُوظف سياسيًا يتحول إلى طاقة تدميرية تُعبئ الجماعات ضد بعضها، وتُعيد إنتاج الانقسامات حيث كان يمكن للتعايش الاجتماعي أن يسود. هذا المقال محاولة لتفكيك تلك الآليات، واستشراف سُبل إعادة عمليات التعايش الاجتماعي، لا سيما في مجتمعات الريف والبدو التي تشكل العمود الفقري البشري والإنتاج للمجتمع والدولة. تتمثّل أخطر أدوات صناعة بناء الكراهية خلال عملية تسييس (سياسة) الإثنية القبلية، بدءًا بكافة أشكالها من العشيرة والأفخاذ والبطون وصولاً إلى القبيلة. هذه العملية تحوّل روابط الدم والنسب – التي كانت أصلاً عوامل تلاحم وتنافس وتعارُض منظم – إلى خطوط عدائي صراعي واستغلال منظم . وهذا التوظيف ليس وليد حرب أبريل 2023م، بل هو محطة في استمرار تاريخي رُبط بمصالح استغلال إنتاجي لقوى اجتماعية سياسية مسيطرة، بدأت مع الاستعمار ضمن أسّس سياسات “فرق تسد”، واستمرت للأسف في الأنظمة الوطنية اللاحقة بعد الاستقلال ١٩٥٦م، متفاوتة في تلك الأدوات بشكل أو بآخر، وإن كانت الفترات الحكم الديمقراطي أقل ضررًا، إلا أنها فشلت في إيجاد الحل لأسباب موضوعية وذاتية. الخوف المرضي يبدأ عندما يشعر الفرد أن هويته الأساسية (قبلية، إثنية، دينية) مهددة ويوجد مخاطر عليها من الآخر. ظلت النخب المتصارعة تستثمر هذا الخوف الوجود بشكل ما لتحويله إلى كراهية جماعية، فتتحول المجتمعات المحلية من مساحات نحو التعايش إلى ساحات لحرب بالوكالة عن المركز. وقد اعتمدت سياسات نظام الإنقاذ الوطني (1989–2019) على سياسة اجتماعية (وزارة التخطيط الاجتماعي) محورها أدوات مدمرة للتماسك العام لحساب كسب حزبي ضيق ، كان أبرزها: تدميغ الآخر المختلف سياسيًا بقيم دينية “الجهاد” المقتطع من سياقه الشرعي والتاريخي، وفي إطار الصراع مع المشاريع السياسية الأخرى، الحركة الشعبية لتحرير السودان، وتحالف التجمع الوطني الديمقراطي المكون بعد العام ١٩٩٠ من أحزاب مدنية وجماعات مسلحة اقليمية، وحركات الكفاح المسلح ٢٠٢٣م في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان. كما تم إنشاء مؤسسة “إدارة القبائل والعشائر” كجهاز للحزب الحاكم والدولة الغرض الأساسي استمالة وحشد تنظيم العواطف والانفعالات للقوى التقليدية (الاجتماعية والدينية والإثنية) ضمن رمزيات سرديات ثقافية اجتماعية تغذي بالاذدراء والاحتقان والاحتقار الغيري ، وهذا الجهاز استخدم برنامج ونظريات العلوم الإنسانية السلوكية في غير الإطار التطبيقي والغايات النظرية، واستغلال موجه لموارد الدولة أتقن بناء صناعة الكراهية، وتم استهداف كل معارض لمركزية المشروع الإسلاموي الحضاري للدولة المسيطرة على أدوات تفاعلات العنف والسلطة والثروة، مما هيأ هذا الموقف إدخال قسري منفعي لمعظم المجتمعات التقليدية (الرعوية الزراعية وشبه الحضرية ) في أتون الصراع الاجتماعي السياسي مع أو ضد السياق العام لفلسفة الدولة حينها. اليوم، تعاود ديناميكيات بناء صناعة الكراهية ذات بقوة استغلال أطراف الصراع السياسي(المسلح) للمحركات الإثنية القبلية والمناطقية، في مشاريع استعادة السلطة المدنية التهميش واستعادة الكرامة والدولة. اي كان الاهداف فان النتيجة زعزعة البنية للنسيج التاريخي الثقافي الذي تشكّل عبر أمد طويل. وهو النسيج الذي طُبِّع بنظم ثقافية ظلت سائدة كنموذج للتعايش والاندماج الاجتماعي، والذي كان يسير نحو مسار موضوعي أكثر تطورًا في إطار علاقات تبادلية للسوق الإنتاجية المحلية قائم على التجاور القرابي والمناطقي كـ”وجدان مشترك”. من منظور سوسيولوجيا الخوف: عندما يُعاد إنتاج صناعة بناء الكراهية في مرحلة ما بعد إسقاط النظم الشمولية، بإرادة الفعل الثوري الجماهيري فإنها تشير بفشل عملية العدالة الانتقالية في تفكيك بنية الخوف في المؤسسات. فالمجتمعات التي لم تعالج صدمتها المتصلة الحلقية تظل دوما عُرضة نحو للانزلاق إلى دائرة صراعات هوياتية متجددة. لقد ظلّت المكونات الاجتماعية لما دون الدولة الوطنية (في أفريقيا والوطن العربي) عموما تُستغل بخبث في أوار الصراع السياسي الاجتماعي ، ضمن تطلعات النخب التي تعاني من الجهل المعرفي بالاعتراف والآخر بالمركز المسيطر. وهي الاختلالات العميقة التي ظلت تعطّل مسار التطور الاجتماعي الي العيش المشترك، وتُعيد إنتاج منطق “العدو والصديق” حيث كان ممكنًا أن يحل منطق التبادل والتعايش. وإن إضعاف الدولة الوطنية أو انهيارها يجعل هذه المكونات فريسة سهلة للتوظيف والاستغلال السياسي والعسكري، مما يُطيل أمد الصراعات ويُعمق في المجتمع والدولة. إن عملية استمالة القيادات الأهلية التقليدية المرجعية (بالترهيب أو الترغيب) وايضا الفهم المتاصل لديهم عن علاقة الموقف مع السلطة وخدماتها، وإبعادهم عن أدوارهم الطبيعية كنظام إداري للضبط الاجتماعي وإشباع حاجات الجماعة القاعدية، تُعد مدخلًا معوجًا تستخدمه النخب – سواء أكانت عسكرية أم مدنية – ضمن منظومة مصالح جماعات الصراع. هذه الممارسة تُفقد المجتمع رصيده الرمزي المعنوي من الحكمة المحلية، وتُخلخل التوازن المطلوب – ولو مؤقتًا – إلى أن تتم عملية التطور الاجتماعي وصناعة الوعي لدى تلك القيادات نفسها. يجب الانتباه هنا ، بناءً على سوسيولوجيا الخوف، إلى أن القيادات الأهلية عندما تتحول من وسطاء لحل وتخفيف للنزاعات إلى أطراف مشارك فيها، يفقد المجتمع التقليدي قدرته على امتصاص الصدمات ويعجز عن حل المشكلات والنزاعات الأهلية بين الجماعات المتجاورة. إن استعادة دورهم الحيادي المحايد شرط أساسي لأي سلام دائم في المجتمعات المحلية. في مقابل صناعة الكراهية، يجب التأكيد على أن عمليات الفزع والنفير والاستنفار بين المجموعات الاجتماعية المحلية لها أدوار ووظائف إيجابية ينبغي حمايتها، وتتمثل في: ضمان عمليات اقتصاديات الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والعيش المشترك التعاوني، ومواجهة أزمات الكوارث الطبيعية والتدخلات غير الرشيدة بالتساند الاجتماعي التضامني، وحماية الأنفس والممتلكات بأساليب تقليدية عادلة، وأساليب حل المشكلات المجتمعية الموروثة. المطلوب الآن بشدة أن تظل هذه الآليات محتفظة بأدوارها، وأن تقف بقوة أمام أطماع النخب المركزية والتابعة ضيقة المطامح (المرتبطة في كثير من الأحيان بمحاور إقليمية) تحت تأثير أخطبوط العولمة الكونية. بل وعليها أن تُعقِد تاريخ قيم التعايش والاندماج الاجتماعيين، وتؤسس لسبل عيش مشترك تنموي مستدام ومستحدث، قائم على تبادل المصالح والمنافع (التعاونيات) داخل المجتمع المحلي. تطور الوعي عبر المراحل يمتلك مقومات نحو نموذج المواطنة الأساس في السودان – بوصفه دولة مدنية قيد البناء – حيث تظل المواطنة والعيش المشترك هما الأساس والمعيار للحقوق والواجبات. فلا خلاص من سوسيولوجيا الخوف المرضي إلا باستعادة الثقة في النسيج الاجتماعي التاريخي الأهلي – وهو الأغلبية عددًا – وذلك عبر: تجريد النخب المتصارعة بشكل منظم من سلاح صناعة الكراهية وأدوات الحرب، والعودة إلى جوهر التعايش الاجتماعي والتبادل المصلحي بين البدو والمزارعين، وبناء التنمية الاجتماعية عبر التعاونيات بما يُشبع تحديات السلام والعيش الكريم. الخوف إذا أصبح بنيويًا يُنتج كراهية مستدامة توقف عمليات التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. والتعايش إذا صار مشروعًا مجتمعيًا يتطلب مقاومة واعية لسوسيولوجيا الخوف في كل مفاصل الحياة اليومية، من خلال ارتباط الشباب واكتسابه الوعي الإدراكي التشخيصي لضروريات الحل لقضايا ومشكلات تلك المجتمعات الحيوية. شارك تصفّح المقالات حين يخرج “الفلول” من الباب ويعودون من الشباك في غرب كردفان! مجرد سؤال