تقرير : نبض نيوز

 

تتصاعد في الآونة الأخيرة مؤشرات عن ترتيبات جارية لوقف إطلاق نار إنساني في السودان، يعقبه مسار سياسي أوسع، ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل تمهد هذه التفاهمات لعودة صيغة “الشراكة الثلاثية” بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والقوى المدنية، على غرار ما أعقب سقوط نظام عمر البشير في 2019؟ أم أن المشهد تغيّر جذرياً بحيث يصعب استنساخ تجربة ما قبل 25 أكتوبر 2021؟

 

من الشراكة إلى القطيعة

 

بعد الإطاحة بالبشير، تشكل مجلس سيادي ضم عسكريين ومدنيين في إطار ترتيبات انتقالية هدفت إلى تقاسم السلطة تمهيداً لانتخابات عامة. غير أن التوترات بين المكونين العسكري والمدني، إلى جانب الخلافات حول الإصلاحات الأمنية والاقتصادية، بلغت ذروتها في 25 أكتوبر 2021، حين أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إجراءات اعتبرها خصومه “انقلاباً” على الشراكة الانتقالية.

 

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، انهارت فعلياً أي صيغة مشتركة، ودخل السودان مرحلة صراع مفتوح أعاد تشكيل التحالفات والمواقف، وعمّق الاستقطاب الداخلي.

 

تصريحات ومؤشرات

 

في موازاة التطورات الميدانية، برزت دعوات من قوى سياسية، بينها تحالفات مدنية، إلى هدنة إنسانية فورية تمهد لعملية سياسية يقودها السودانيون. كما رحبت بعض الأطراف بتعيين مبعوث أممي جديد، في إشارة إلى الاستعداد للتعاطي مع مسار تفاوضي محتمل.

 

في المقابل، يؤكد الجيش أنه يخوض “معركة بقاء الدولة”، رافضاً أي مساواة بينه وبين الدعم السريع، بينما تشدد الأخيرة على ضرورة حل سياسي شامل لا يُقصي أي طرف. هذه المواقف المتباينة تعكس تعقيد العودة إلى طاولة تفاوض قد تفضي إلى ترتيبات انتقالية مشتركة.

الضغط الدولي للوصول إلى هدنة الإنسانية: هل يعيد السودان إلى شراكة ثلاثية جديدة؟ 
الضغط الدولي للوصول إلى هدنة الإنسانية: هل يعيد السودان إلى شراكة ثلاثية جديدة؟ 

هل تعود الشراكة الثلاثية؟

 

قد تقتصر المرحلة الأولى على وقف إنساني لإطلاق النار، دون اتفاق سياسي شامل، بهدف تخفيف المعاناة وتهيئة المناخ للتفاوض. في هذا السيناريو، تبقى مسألة تقاسم السلطة مؤجلة إلى حين حسم قضايا جوهرية، أبرزها مستقبل الدعم السريع وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية.

 

انتقال مشروط

 

إذا تبلورت ضغوط إقليمية ودولية متزامنة، فقد يُدفع الطرفان العسكريان نحو صيغة انتقالية جديدة، لكن بشروط أكثر صرامة من تجربة 2019، تتضمن ترتيبات أمنية واضحة، وجداول زمنية محددة للدمج أو الإصلاح العسكري، وضمانات دولية لتنفيذ الاتفاق.

 

إعادة إنتاج صيغة ما قبل 25 أكتوبر

وهو السيناريو الأقل ترجيحاً وفق مراقبين، نظراً لتبدل موازين القوى وفقدان الثقة العميق بين الأطراف، فضلاً عن الكلفة البشرية والسياسية للحرب. فالتجربة السابقة أظهرت هشاشة الشراكة إذا لم تُحسم القضايا البنيوية، خصوصاً العلاقة بين المدنيين والعسكر، وملف الإصلاح الأمني.

 

تعقيدات المشهد

 

ثمة عوامل تجعل أي شراكة ثلاثية جديدة أكثر تعقيداً من سابقتها منها إتساع رقعة الحرب وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية، بالإضافة الى تصاعد خطاب التخوين والاستقطاب وتضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية بجانب انقسام القوى المدنية نفسها بشأن شكل المرحلة المقبلة.كما أن مسألة دمج قوات الدعم السريع في الجيش، أو إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، تمثل عقدة أساسية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستدامة.

 

 الواقعية والطموح

 

إمكانية الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة تظل قائمة، لكنها مرهونة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات جوهرية، والقبول بترتيبات انتقالية لا تعيد إنتاج أخطاء الماضي. فالعودة إلى ما قبل 25 أكتوبر 2021 بصيغته السابقة تبدو غير واقعية، لكن بلورة صيغة معدّلة – أكثر توازناً ووضوحاً في الصلاحيات والضمانات – قد تمثل مخرجاً عملياً من المأزق.

 

وقف النزيف

 

في المحصلة، قد تكون الهدنة الإنسانية بوابة لوقف النزيف، لكنها ليست ضمانة تلقائية لولادة شراكة ثلاثية جديدة. الطريق إلى انتقال ديمقراطي مستقر يمر أولاً عبر معالجة جذور الصراع، وإعادة بناء الثقة، وصياغة عقد سياسي جديد يستجيب لتحولات السودان بعد الحرب، لا يستنسخ ترتيبات مرحلة لم تصمد أمام اختبار السلطة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *